Close ad

النظام الصيني العالمي الجديد!

25-3-2023 | 12:07

اختتمت فعاليات القمة الروسية الصينية أمام غيظ وامتعاض الغرب.. فما أهمية هذه القمة؟ ولماذا كل هذا الغضب الغربي المكبوت؟

لقد جاءت القمة بعد عدة منعطفات حادة ظهرت فى طريق العلاقة بين المعسكرين الغربي والشرقي.. آخرها ما جاء فى حكم الجنائية الدولية بأمر اعتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليأتي الرد سريعًا من التنين الصيني الحليف القديم للروس والذي ظل صامتًا بعيدًا عن معترك الحرب الأوكرانية الروسية حتى هذا الحين قبل أن يقدم نفسه كرسول سلام يعرض التسوية والتهدئة بين طرفي الحرب وهو ما رفضته أمريكا قبل حتى أن تسمع بنود العرض!!

 المعسكر الغربي مذهول من تلك الخطوات الدبلوماسية الهائلة للتنين الصيني على ساحة السياسة العالمية، ليس فقط للنجاحات والمكاسب التي يحققها وآخرها اختراق مجال النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بتهيئة أجواء المصالحة بين السعودية وإيران، لكن لأن الصين بهذه الخطوات تكون قد بدأت بالفعل الإعداد لبناء نظام عالمي تعددي بمشاركة حليفتها روسيا.. فما طبيعة هذا النظام؟ وهل هناك خطوات فعلية تمت في هذا المضمار؟
 
سلة العملات.. والتعددية الاقتصادية
الرأسمالية منذ نشأتها تقوم على فكرة رئيسية هى تأجيج الصراعات وإشعال نار الخلافات بين طرفين غافلين من أجل تحقيق مكاسب من كلا الطرفين.. أولًا من خلال اقتصاديات الهدم والبناء وإعادة الإعمار، وثانيًا بتفعيل دور المنظمات الدولية فى تسوية نزاعات كان الغرب هو من أشعلها في الأساس! وفى مثل هذا النظام المهيمن على القرارات الدولية بما فيها قرارات المال والاقتصاد، أصبحت العملات الغربية هي المسيطرة على التعاملات العالمية للصادرات والواردات في سائر الدول؛ بحيث نال الدولار نصيب الأسد، وجاء بعده اليورو بنصيب النمر، ثم باقي العملات بنصيب أقل من نصيب فأر! لكن الملاحظ خلال أعوام ما بعد كورونا أن اليوان الصيني بات له نصيب من كعكة التداول العالمي للعملات، إذ ارتفعت نسبة تداول اليوان من 2% فقط إلى نحو 7% من التداول العالمي ما يعني زيادة بمقدار الضعفين، وهذا ليس بالقليل.. 

 ثمة حقائق ينبغي ألا تغيب عن هذا المشهد.. أولها أن الدولار واليورو يتعرضان بالفعل لتهديد وجودي داخلي تمثل فيما حدث من هزات اقتصادية نتجت عن نزيف النفقات مع وقبل الحرب الأوكرانية، وظهرت أعراض تلك الهزات بما حدث من انهيار بنوك كبرى في أمريكا وأوروبا، صحيح أن القرارات التي جاءت بعد تلك الانهيارات استطاعت احتواء الأزمة بسرعة حتى لا يحدث تأثير الدومينو الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام، لكن إلى متى يمكن السيطرة على مقاليد الأمور؟ وماذا سيصيب الدولار إذا حدث ما تخشاه أمريكا من انهيار بنوك أخرى مع عدم استطاعة الفيدرالي على احتواء تلك الانهيارات؟
 إذا أضفت لهذا أن الديون الأمريكية التي تجاوزت حد الثلاثين تريليون دولار أغلبها في قبضة الصين التي باتت الآن عدوًا لدودًا.. ما يعني أن الصين في مقدورها التأثير على الاقتصاد الأمريكي كله إذا استغلت هذه الورقة الرابحة في الوقت المناسب وبالكيفية التي تراها! أي أن رقبة أمريكا تحت أنياب التنين لا العكس..
 
نظام بلا نظرية
 لم تعد الدعوة لنظام أممي جديد تعددي على أنقاض نظام القطب الواحد دعوة مستترة أو خيالية، بل ما يبدو أنها تسير على نهج وخطة، كما يبدو أن تنفيذ هذه الخطة قد بدأ بالفعل!

 الحرب الأوكرانية كانت هى الخطوة الأولى التي أتاحت لروسيا والصين الفكاك من التزامهما بالاتفاقيات الدولية؛ لأن أمريكا والغرب صارا طرفًا في النزاع العالمي، ولا يمكن أن يكون الغرب حكمًا ومتهمًا في الوقت ذاته.. ثم إن الحرب سهلت لعبة الابتزاز الاقتصادي من خلال ما تملكه روسيا من أوراق لعب خاصة بالطاقة والقمح، وما تملكه الصين من طاقة إنتاجية وسلاسل إمداد.. هكذا بات من الممكن وضع اليوان الصيني والروبل الروسي على مائدة سلة العملات العالمية بمبرر شرعي وهو الرد على العقوبات الأمريكية الاقتصادية..

 الخطوة التالية حدثت على مراحل.. أولها ما تم من تقويض التحالفات في الجانب الغربي، وهو ما رأيناه من خلافات نشبت بين أعضاء الناتو بحيث صار الطرف الألماني يبحث عن مصالحه بمنأى عن باقي الأطراف، وبحثت أمريكا عن مصالحها الاقتصادية على حساب أوروبا.. ثم جاءت المرحلة التالية باختراق مناطق النفوذ الأمريكي في إفريقيا والشرق الأوسط.. ولهذا قد نلاحظ خطورة ما أعلنه الرئيس الصيني في ختام القمة الروسية الصينية من أن العلاقات الثنائية بين الجانبين انتهت لتدخل العلاقات مرحلة تاريخية جديدة! فما معنى هذا الكلام؟ إلا أن تكون خارطة جديدة للتحالفات يتم بناؤها على قدم وساق تبدأ بروسيا والصين ولا تنتهي بهما..

 غير أن ما يعيب النظام التعددي الجديد الذي تدعو إليه الصين صراحةً هو أنه نظام بلا نظرية، ولا مذكرة تفسيرية، إنه نظام غامض بلا ملامح واضحة.. وإذا كانت مبادرة الحضارة العالمية التي دعا إليها الرئيس الصيني ووافق عليها الرئيس الروسي تصب في هذا السياق، فما محتواها؟ وما مضمونها؟ وهل لها أبعاد تنفيذية يمكن تحقيقها على الأرض؟

وإذا دعت الصين لقيام نظام جديد مجهول الملامح.. فما الذي قد يدعو الدول الصديقة للحلف الآسيوي لنبذ نظام دولي قائم معروف مهما كانت له عيوب، للمشاركة في بناء نظام جديد بلا أساس فكري أو سياسي واضح؟. لهذا سوف يظل النظام الدولي الحالي كما هو حتى إشعار آخر..
 
صراع القطب الشمالي!
 على استحياء وفي سطور قليلة سوف تقرأ ما جاء في البيان الختامي للقمة الصينية الروسية حول هذا الصراع الوجودي الغامض.. فما هو يا ترى؟ وهل يمثل سببًا رئيسيًا في الحرب الأوكرانية؟!

 لقد جاءت التغيرات المناخية رغم تداعياتها السلبية بثروات هائلة تم اكتشافها في منطقة القطب الشمالي على إثر ذوبان الكتل الجليدية، لتكتشف البعثات العلمية والبحثية المقيمة هناك عدة اكتشافات مخيفة.. منها أن تلك المساحة الشاسعة التي تتجاوز 14 مليون متر مكعب تعوم على بحار من النفط تصل في بعض التقديرات إلى نحو 90 مليار برميل! بخلاف كميات هائلة من الغاز تصل لنحو ثلث الاحتياطي العالمي.. ناهيك عن أطنان من المعادن النفيسة والنادرة الداخلة في الصناعات العسكرية، بالإضافة إلى كميات من الألماس والنيكل والزنك.. أنت تتحدث عن عدة تريليونات من الدولارات تنتظر فقط أن يكتمل ذوبان الجليد لالتقاطها.. وهو ما سيحدث طبقًا لتوقعات الباحثين عام 2050!

 هذا الكنز الخرافي بات مطمعًا للدول المطلة عليه جميعها وهي دول أوروبية وآسيوية وأمريكية، وهو نفس الخليط الذي يتقاسم الحرب الأوكرانية.. أما القطب الشمالي فيقع في حدود روسيا وكندا وأمريكا (ألاسكا) ثم النرويج والدنمارك.. روسيا ترى أن لها الحق الأكبر في هذه المنطقة الثرية لأن سواحلها متاخمة لما يصل إلى 50% من سواحل القطب الشمالى؛ لهذا أعلنت أن القطب الشمالي طبقًا لمفهومها أصبح منطقة منافسة دولية من الوجهتين الاقتصادية والعسكرية، وعلى أثر هذا المفهوم تحركت القوات الروسية للسيطرة على مناطق النفوذ القريبة منها فى القطب وزرعت العلم الروسي به، ثم عززت تواجدها هناك بإدخال أسلحة فتاكة من بينها الطوربيد بوسيدون ذو القدرات النووية الهائلة.

 بدورها تحركت كندا فأنفقت ما تجاوز 7 مليارات دولار لبناء أسطول دفاعي لها في منطقتها.. بينما تحركت دول الناتو التي اعتبرت التحرك الروسي تهديدًا لمصالحها فقامت بتعزيز تواجدها العسكري والبحثي هناك، وأتبعت هذه الخطوات بإنشاء ما سمي بمجلس القطب الشمالي بمعزل عن روسيا..

 ما يبدو على السطح في الصراع العالمي الدائر اليوم بين قوى الغرب والشرق أقل كثيرًا مما يتم وراء الستار.. وإذا كنا على أعتاب نظام عالمي جديد يولد؟ فما هذا النظام؟ ما هو بنيانه الفكري والفلسفي؟ وكيف سيكون شكل الشرق الأوسط في ظل نظام كهذا؟
 
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
فن التويتات الشعرية

سوق عكاظ يختلف عن سوق الإنترنت. والخواء الذي تميزت به صحراء الجزيرة العربية شاسعة الاتساع كان لا بد من ملئه بالأشعار الطويلة والمعلقات التي تستغرق كتابتها شهورًا وقراءتها أيامًا وتأملها سنوات

الصيف لم يبدأ بعد!

توقعت منظمة الصحة العالمية ارتفاع الحرارة هذا العام بدرجة غير مسبوقة، وحذرت وكالة ناسا من تبعات هذا الاحترار الذي يشير لعودة السلوكيات الفظة للإنسان ضد الطبيعة..

الأكثر قراءة