Close ad

أنغام.. صوت مصر الأكاديمي

21-3-2023 | 15:05

فبرغم صمت العالم من حولنا، وبرغم صخب المدن وضوضائها، لكننا لا نعده (أنغامًا موسيقية) بأي حال من الأحوال إن سكون الطبيعة هو الذي منح الموسيقى تفردها؛ لكونها لا ترتبط بغير ما هو روحي مما تنطوي عليه الأفكار والمشاعر في العالم الداخلي.. عالم النفس الإنسانية، ويتجلى لنا بوضوح الدقة الشديدة والمصداقية التي اصطبغ بها تعريف بيتهوفن للموسيقى من كونها الحلقة الرابط بين الحياة المحسوسة والحياة الروحية؛ وعليه يمكن أن تطلق على الموسيقى (لغة)؛ لأنه بواسطتها يتسنى للإنسان من خلال أنغام موسيقية معبرة أن يظهر مكنون النفس وخباياها، وينقل صورة حياته الباطنة الروحية، بيد أنها لا تصلح لأن تكون لغة ناقلة لمعاملات البشر من بيع وشراء أو شرح لطرق طهي الطعام، أو غير ذلك مما يزخر به عالمنا الخارجي؛ مثلما يستطيعه الأديب أو العالم.

لكن الموسيقى تظل قادرة على التعبير عمَّا يختلج في قلوبنا من عواطف، ومايعتري عقولنا من خيالات، وما تستشعره نفوسنا من انفعالات، ويتم كل هذا بسلاسة تختص بها أداء وقدرة ومهارة دون منازع ولا منافس تضاهيها فيه مهارة أي لغة إلاّها! فهي بحق أنقى لغة تفيض الروح الإنسانية هيامًا بها، وألصق الفنون بأعماق الذات الإنسانية.

بلا جدال.. هذا زمن ثقافة «التوك توك» و«الميكروباص» الذي انتشر كالنار في الهشيم واندلع في شوارع وحواري وأزقة مصرنا المحروسة على اتساع الخريطة المصرية من حلايب وشلاتين جنوبًا إلى مرسى مطروح شمالًا.. ينشر الضوضاء القميئة بأصوات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا نعرف من أين يحصلون على تلك الأغانى الهابطة…

ألم يستمع أصحاب تلك الترَّهات التى يسمونها قسرًا بالأغانى، وهي لا تزيد عن كونها نباحًا يغازل أهل قاع الحارة المصرية وسكان العشوائيات التى أصبحت بمثابة حزام ناسف حول كل المدن المصرية، ويزيد الطين بلة تلك الموسيقى الهابطة التي لا تنفع سوى في الرقص الخليع وهز الخصر في الأفراح البلدية والشعبية، ألم يستمعوا قبلًا إلى الموسيقى الراقية التي تغذي الروح والوجدان والأغاني التي تحلق بمستمعيها بكلماتها الحالمة والرقيقة إلى حالة رحابة شعورية وإنسانية تغسل الروح وتملأها شجنا؟!

هنا تبرز قيمة الدراسة الأكاديمية للموسيقى التي تصقل المواهب التي تنضم للمعاهد الأكاديمية لتتلقى العلوم الفنية والموسيقية التي تعمل على ترسيخ المكون الفني والمعرفي لدى الدارسين حتى يخرجوا إلى سوق العمل الفني مسلحين بأمرين.. الموهبة والعلم في آن معًا؛ لذلك كانت لكلمة الفنانة الجميلة صاحبة الصوت الملائكي "أنغام" في حفلها الذي أقيم مؤخرًا بالمملكة العربية السعودية برعاية هيئة الترفيه بحكومتها أصداء رائعة في الأوساط الأكاديمية والفنية؛ لما تنطوي عليه كلمتها من إعلاء لقيمة الفن المصري في المقام الأول، والدراسة في معاهد أكاديمية الفنون العريقة صرح صروح الفن في الشرق الأوسط في المقام ذاته، حيث أعزت نجاح الحفل إليها، قالت:

"لو ماكانش في مصر معهد كونسرفتوار ومعهد موسيقى ومعهد باليه ومعهد سينما وأكاديمية فنون.. يمكن ماكنتش ظهرت أصلًا.. ولا كنا ظهرنا كلنا كفرقة موسيقية وكهندسة صوت وكل تجهيزات الحفلة اللي شايفنها النهاردة.. عشان نبقى بالمستوى الفني العالي ده.. عشان كده أنا محظوظة ببلدي مصر اللي قدمت لكم الفن ده النهاردة، واللي بفضلها عليا ظهرت ودعمتني من صغري من أيام الإذاعة المصرية والحفلات.. مصر هي اللي قالتلي كوني كده بقيمة فنها".

وهنا أقف وقفة مع رأي الدكتورة ياسمين فراج الذي يتفق ورؤيتي في تقييم ذلك الحفل وأداء هذه الفنانة الأثيرة لدينا، والتي تنثر عبير فنها أينما ذهبت، وهي أستاذة زميلة وناقدة موسيقية مختصة ورد عبر صفحتها على فيسبوك:

"أنغام هذا الصوت الجميل الذي تحمله فنانة تجيد إدارة موهبتها بذكاء وحرفية، قدمت في ليلة من ليالي الترفيه في السعودية بعنوان (صوت مصر) قرابة الأربع ساعات غناء لم تستحوذ فيها على المسرح بمفردها، ولكن فعلت ما عجزت عنه مؤسسات الدولة المسئولة عن القوى الناعمة في مصر كالتالي:

أولًا: قدمت نموذجًا للفنان المصري الراقي شكلًا ومضمونًا وسلوكًا.

ثانيًا: أعطت الحقوق الأدبية لكل من لحن ووزع وكتب كلمات أغانيها عبر مشوارها الفني، وعزف وقاد فرقتها الموسيقية، فكانت نموذجًا لتكريس العمل الجماعي الذي يؤدي إلى نجاح الجميع.

ثالثًا: أعطت الحق الأدبي لأكاديمية الفنون التي كانت سببًا في تقديمها هي وجميع من صاحبها من عازفين ومهندسي صوت وخلافه، الذين كانوا سببًا في نجاح حفلتها ومسيرتها الفنية.

رابعًا: في الجزء الثاني من حفلها غنت مع مجموعة من المغنين والمطربين المصريين، ولا ننسى أنها رشحت بهاء سلطان من قبل للغناء في حفل رأس السنة الميلادية السابقة، وهي بهذا تدفع بمجموعة من المغنين والمطربين من أجيال أصغر منها في السن لتضعهم تحت الأضواء في الوطن العربي، وتقدم صورة للروح الإيجابية الراقية للحركة الفنية المصرية، بعد أن شوهتها أغلب وسائل الإعلام التقليدية أو البديلة... 

وختمت فراج كلمتها بالثناء على سلوكها الراقي الذي ظهر لنا في هذا الحفل - وكل حفلاتها بوجه عام - وأطلقت عليها (صوت مصر الذكي).

وجدير بأن نذكر بأن الفنانة "أنغام" قد نالت العديد من التكريمات على المستويين المصري والعربي؛ فتم تكريمها من: إذاعة نجوم إف أم؛ وإذاعة ميجا إف إم؛ و من مجلة "الدير جيست" كأفضل مطربة عربية؛ ومن هيئة الأمم المتحدة في يوم المرأة العالمي؛ والحصول في العام 2019 على جائزتين: "جائزة الموريكس" و"جائزة مهرجان القنوات الفضائية".. وكلاهما كأفضل مطربة عربية، لكن تكريم جمهورها يفوق كل تكريم، فما تقدمه من فن يحترم الذائقة السوية للمتلقي مع احتفاظها باعتدادها بنفسها وبانتمائها الوطني لهو درس للأجيال القادمة وخارطة طريق لتتبع خُطى هذه الفنانة المصرية الأصيلة صاحبة الحضور الخاص والحنجرة الماسية تشنف بها ذائقتنا، أينما شدت جاء شدوها من عبق الجنة وتغريد البلابل..

ولإرضاء الجموع من البسطاء الذين تنقصهم المعرفة بثقافة الفن الراقي والإبداع الذي يرتقي بالنفوس والأرواح إلى مصاف التحليق في عالم الجمال.. الذي سينعكس بالضرورة على سلوكيات المجتمع وتعديل مذاق الإحساس الجمعي حتى للطبقات التي لم تنل حظًا من العلم الأكاديمي.

.. نهنئها على ما تقدمه من أعمال، ومن نجوم يصعدون تمد لهم يد العون ليظهروا على الساحة الغنائية ليستكملوا مشوار النجاح لتحقيق النجومية، فلا نجد إلا نفسًا طيبة تحتضن مواهب واعدة وتدفع بهم.. لتثبت أن الفن أولًا وأخيرًا أخلاق وانتماء واحترام وعرفان بالجميل.

* رئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق بأكاديمية الفنون وأستاذ التأليف والكتابة الإبداعية وعضو اتحاد كتاب مصر

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: