Close ad

الصناعة والبيئة.. التزام مستدام .."2 - 1"

19-3-2023 | 13:03

كانت الصناعة في الماضي تدور في فلك احتياجات المستهلك والمنتج فقط، وبكل ماله صلة بمنافع ومصلحة الطرفين، فلا شأن لها بمدى تأثير ما ينتجه القطاع الصناعي على عناصر أخرى، أما اليوم فقد تشابكت الصناعات فائقة التطور، ومعها الاقتصاديات الحديثة التي تزداد تشعبًا وتعقيدًا بحثًا عن الربح، لتدخل في تنافس وجولات كانت الطبيعة والصحة العامة أهم الخاسرين من هذا التنافس المحموم، والذي أثار غضب المناخ، وأطاح بمكتسبات الصناعة معًا.

إلا أن خبراء ومسئولي الصناعة والبيئة والمناخ في مصر يدركون جيدًا، أهمية وضرورة تحقيق التناغم بين قطاع الإنتاج والصناعة، وبين البيئة والمناخ، حيث يقود هذا التناغم إلى ضرورة إصدار وتسجيل وتداول "شهادات الكربون" طبقًا للمعايير الدولية، ويؤكد أيضًا، قدراتنا الوطنية في المشاركة القوية لتحقيق الهدف الدولي للوصول إلى الحياد الكربوني، فالصناعة والبيئة "معًا" هما جزء من الحلول المناخية.

وتولد عن هذا التناغم، العديد من الفرص الواعدة فى عديد من القطاعات، الصناعية، والنقل، وتوليد الكهرباء، والمخلفات، والتي يصدر عنها خفض في الانبعاثات، حيث يمكن توثيق هذا الخفض والاستفادة منه في بيع شهادات الكربون.

وبالفعل أعلن عن إنشاء السوق الإفريقي لشهادات الكربون، وهو أحد النتائج الإيجابية لمؤتمر  "COP27" بشرم الشيخ نوفمبر الماضي، إصدارًا وتسجيلًا وتداولًا، بعد اعتبار "شهادات الكربون" ورقة مالية قابلة للقيد والتداول طبقًا لاتفاقية باريس للمناخ.

والتساؤل هو: هل في الإمكان بناء اقتصاديات جيدة متطورة في مجتمعات إيجابية متوائمة مع الطبيعة في آن واحد، وما هو الطريق للوصول إلى تنمية صناعية خضراء، دون التراجع عن رفع كفاءة الصناعة الوطنية، ودعم قدراتها التنافسية والحفاظ على الموارد الطبيعية المستدامة معًا.. جاءت الإجابة من اتحاد الصناعات المصرية، الذي بادر منذ نحو عقدين بإنشاء "مكتب الالتزام البيئى والتنمية المستدامة"، بهدف تقديم خدمات تصنيعية شاملة تتصالح مع البيئة، وتحقيق التوافق بين التنمية الصناعية، والمستهلك والصانع، ليصبح "البعد البيئي" مستهدفًا لطموحات صناعة دائرية مصرية خضراء.

من مكتبة مصر العامة بمحافظة المنيا، أطلق المهندس أحمد كمال المدير التنفيذى لمكتب الالتزام البيئي والتنمية المستدامة باتحاد الصناعات المصرية، الأسبوع الماضي، دعوة محلية عربية إقليمية، للشركات والحكومات وقطاعات الإنتاج والتصنيع، باستعداد خبراء المكتب لإجراء قياسات "البصمة الكربونية" والبدء في برامج القياس المتخصصة، بالتعاون مع وزارة البيئة وهيئة المواصفات والجودة وغيرها من الكيانات المعنية، من خلال كونسورتيوم "Consortium" تحالفات مع الجهات الاستشارية الدولية العاملة فى مصر.

لم تأت هذه الدعوة من فراغ، فقد استغرق إعدادها وإتمامها مراحل من التحضير والتجهيز والمشاورات في الداخل والخارج، حتى تم الإعلان عن قياسات هذه البصمة، خلال ورشة عمل، بعنوان "رفع قدرات الإعلاميين في مجال الاقتصاد الأخضر" بالتعاون مع "جمعية كتاب البيئة والتنمية – SWED"، برئاسة د.محمود بكر، ضمن الجهود نحو التحول إلى الصناعة الخضراء وفق "رؤية مصر 2030".

الدعوة التي أطلقها كمال، هي استكمال لدعم وتأسيس البنى التحتية لقطاعات الصناعة والإنتاج ورفع مستوى الكفاءة والجودة، وهي بدورها تُساعد على فحص المنتجات واعتمادها بواسطة إجراءات تقييم المطابقة للبصمة الكربونية، وفقًا لمتطلبات الأسواق العالمية، حيث يهتم مكتب الالتزام البيئي، بتوفير سبل قبول السلع إلى المنافذ والأسواق العالمية، وإزالة الفجوة بين المنتج المحلي وبين آفاق السوق العالمية، والتخلص من الحواجز التي تواجه الصادرات المصرية عبر الحدود، وما أكثرها، فضلا عن المساعدة في مواجهة تكاليف تحقيق البعد البيئي والسلامة الصحية للمنتجات المتجهة إلى الخارج، وإتاحة فرص اقتصادية، وتيسير أعباء وتكلفة مراحل الفترة الزمنية للوصول إلى الأسواق الخارجية، بما يتوافق مع التشريعات الدولية التي تتبنى مفاهيم الاقتصاد الأخضر والسندات الخضراء، مثل "الصفقة الأوروبية الخضراء"، و"ضريبة الكربون العابر للحدود".

وحرص المدير التنفيذي، خلال ورشة العمل، على التوضيح بأهمية هذه السندات للمستثمر في القطاع الذي يركز على الاستثمارات المستدامة، وكذلك لرجال الأعمال الذين يجعلون المعايير البيئية والاجتماعية وتلك المتصلة بالحوكمة جزءًا من تحليلهم و نشاطهم الاستثماري، مفسرًا أن السندات الخضراء، ترفع من مستوى الوعي البيئي للمصدرين، كما أنها أداة فاعلة في زيادة الوعي وفتح حوار في إطار مجتمع الأعمال حول المشروعات التي ترتقي بوعي الحفاظ على البيئة في مصر.

والمعروف أن سعر السندات الخضراء يقترب من سعر السندات بالبورصة العاديــة، حيـث تخضع لمتطلبات السـوق فـي وقـت الإصـدار، ومـع ذلـك فـإن المستثمرين في السندات الخضـراء يحققون مبيعات بأسعار أعلى، نظرًا لارتفاع الطلب والإقبال الملحوظ عليها.

وإذا كانت الخدمات الاستشارية البيئية والفنية وبرامج الدعم المالية، التي يقدمها، "الالتزام البيئي" للمجتمع الصناعي، محورًا أساسيًا لنشاطه، باعتباره مظلة لترجمة الأقوال والقوانين واللوائح والنظم الصناعية والبيئية إلى برامج وخطط لتصبح واقعًا منتجًا، ويهتم المكتب بتحديثها المستمر لكي تتوافق مع أحدث النظم والبرامج العالمية، إلا أن المعوقات أمامه في تحقيق هذه الخدمات والبرامج، التي يضطلع بها لم ولن تتوقف، ومن بينها أن النظم واللوائح والقوانين التي يلتزم بها ويطبقها، لم تتطور أو مع المتغيرات المتوالية في الداخل والخارج.. في الأسبوع المقبل، نستكمل، إن شاء الله.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: