Close ad
15-3-2023 | 17:10

نمر في حياتنا بكثير من المواقف، منها البسيطة ومنها الصعبة، ونتساءل هنا عن طبيعة هذه المواقف هل هي مواقف تسبب لنا مشكلات حقيقية؛ نتيجة تراكم أعباء الحياة ومتطلباتها، التي تؤثر على أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا، وتظهر علينا الأعراض السلبية والسلوكية في ردود أفعالنا، ونحن أحيانًا نسيء فهم بعض المواقف ما يتسبب عنه ضغوط لدينا. 

وتتعدد عوامل الضغوط النفسية التي يمكن أن تكون مصادرها خارجية؛ مثل العوامل الاجتماعية والصراع بين القيم والعادات والمعتقدات وبين الواقع، ومنها عوامل داخلية وهي البيئة النفسية للفرد، وطرق تفاعله واستجابته للمثيرات الخارجية، ومنها العوامل البيئية كالمناخ، وأخرى فسيولوجية، وهي الناتجة عن التغيرات التي تطرأ عبر مراحل الحياة المختلفة.

بالإضافة إلى ضغوطات العمل؛ وهي أحيانًا تفرض علينا مهام لا تتوافق مع قدراتنا وإمكاناتنا فنشعر بالإحباط والضيق وغيرها، وتتعدد الضغوطات في الحياة وتختلف عبر مراحل العمر المختلفة.

ولابد أن يكون هناك وقفة مع النفس؛ لننظر داخلنا وخارجنا، ونبحث عن الأسباب الرئيسية التي نتج عنها تلك الضغوط النفسية؛ فأنت الشخص الوحيد في هذا العالم الذي تستطيع أن تغور داخل نفسك، وتعترف لنفسك ما هي الأسباب الرئيسية التي سببت لك هذه الضغوط.

لأنك ترى أن نفسك بدأت تطرأ عليها استجابات جسدية نتيجة الضغوط؛ حيث إن الإنسان مثل قارورة الماء الذي يغلي ولو استمرت القارورة مغلقة ستنفجر، وأنت أيها الإنسان مثل هذه القارورة، وهذا الانفجار الداخلي، وتلك الضغوط المسئول عنها شيئان؛ وهما الجهاز العصبي، ويتعامل مع الإجهاد على المدى القصير، والغدد الصماء وتتعامل مع الإجهاد على المدى الطويل، وتتأثر بأي ضغط نفسي، وتفرز الهرمونات التي تؤدي إلى تغيرات فسيولوجية تؤدي إلى الأمراض النفس فسيولوجية؛ ومنها زيادة ضربات القلب، والصداع العصبي، والقولون العصبي، ومشكلات المعدة، وكذلك صعوبة التركيز والنسيان المستمر، وهناك أعراض سلوكية كالانفعال المستمر، وتناول كميات كبيرة من الطعام، أو فقد الشهية، والنوم المستمر أو العكس.

ولابد أن تتعرف على مصادر الضغوط التي تسبب لك كل هذه الأعراض، ولو استطعت أن تقوم بذلك بنفسك دون اللجوء للمختصين فستستطيع أن تدعم ذاتك دائمًا، وإن لم تستطع فيمكنك اللجوء للمختصين لدعمك ذاتيًا ونفسيًا ومعنويًا، لكي يضعوا معك خطة لتحدي كل تلك الضغوط، ولدعمك عن طريق وضع خطة علاجية مشتركة بينكما، ويتم ذلك عن طريق تعليمك مهارات الفصل والتقييم الذاتي والمراقبة الذاتية والاسترخاء والتنفس، وممارسة الرياضة؛ لأنها تخلق توأمة بين العقل والروح، وتنشئ برمجة نفسية وعصبية؛ أي برمجة لا شعورية تجعل الإنسان دائمًا يمتلك الثبات الانفعالي الذي يجعله يتقبل ردود الأفعال بدون عصبية.

والاهتمام بالتغذية والنظام الغذائي المتوازن، والابتعاد عن الوجبات السريعة التي لا تحتوي على الكثير من الفيتامينات والمعادن التي تؤثر على الهرمونات مثل هرمون الكورتيزول وغيره من الهرمونات المهمة في جسم الإنسان.

وكذلك من الأشياء المهمة لتقليل الضغوط النفسية الدعم الاجتماعي من الأشخاص الإيجابيين الذين يقدمون لك المشورة بشكل إيجابي، والابتعاد عن الأشخاص السلبيين الذين يزيدون الضغوط النفسية، ومن أهم الأشياء التي تقلل الضغط النفسي مهارة الفصل؛ والتركيز ولو لبضع ثوانٍ وأن تفصل ذاتك ونفسك عن العالم المحيط بك؛ عن طريق الاسترخاء والتأمل في عظمة الكون وقدرة الخالق سبحانه وتعالى، وتعتبر مهارة الفصل من أهم الأشياء التي تعيدك إلى نفسك بإيجابية، فدائمًا الإنسان يبحث عن الراحة، ولكنه لن يجدها في متاع الدنيا وزينها، قال تعالى: "قَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ" (البلد: 4).

ولله در الإمام أحمد بن حنبل الذي سُئل: متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم نضعها في الجنة.

ولكن لابد أن يعلم الإنسان علم اليقين أنه لن يجد الراحة الحقيقة في الدنيا إلا عند وقوفه بين يدي الله عز وجل ليصلي، فعندها يلقي الإنسان الدنيا خلف ظهره، ويقف ليناجي ربه فهذه هي راحة الدنيا الحقيقية؛ لأن الصلاة فيها من الروحانيات والصلة بالله ما يجعل القلب يرتاح ويخرج من متاعب الدنيا إلى معية الحق سبحانَه، ولا عجب في ذلك؛ فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم هو القائل: "وجُعِلتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ"، وقال اللهُ تعالى عن الصلاة: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].

*  استشاري علم النفس والإرشاد الأسري والتربية الخاصة

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: