Close ad
13-3-2023 | 15:51

تفضل القيادة الصينية أمرين أساسيين، أولهما اتباع سياسة النفس الطويل وعدم استعجال قطف الثمار من الشجرة قبل نضجها تمامًا، وثانيهما تقديم نماذج مغايرة للسائد فيما تتصدى له من مجالات اقتصادية وتجارية واستثمارية وتكنولوجية وسياسية وغيرها، وتقديم براهين عملية على ذلك بمنأى عن حركات ومؤثرات فنون العلاقات العامة التي تهتم وتكترث باللقطة دون المضمون، والقدرة على الاستمرارية والقابلية للحياة وليس الموت السريع عقب أخذ اللقطة.

هذان الأمران المحوريان مكنا بكين من إثبات حضورها السياسى المؤثر والفاعل على ساحة الشرق الأوسط المعروف تاريخيًا بأزماته الخانقة المستعصية والباحثة عن حلول لها دون جدوى، منذ عقود مضت، حينما نجحت بتفوق وساطتها بين المملكة العربية السعودية وإيران باستعادة علاقاتهما الدبلوماسية المجمدة من سبع سنوات، وفتحهما صفحة جديدة تزيل الشوائب والانسدادات التي حالت دون تمتعهما بعلاقة يتوافر فيها الحدود الطبيعية والصحية اللازمة بين الدول.

الوساطة الصينية الناجحة والمثمرة أثلجت صدر المجتمع الدولي الذي كان متخوفًا من عواقب استمرار التوتر السعودي الإيراني، واضعا في اعتباره ومخاوفه نصيب البلدين فى إنتاج النفط، علاوة على أنها كشفت مَن يعمل بصدق لإقرار السلام والوئام على رقعة شطرنج العالم المتأزم بفعل الحروب وأزمة الطاقة، ومَن يُسهم عن عمد فى إشاعة الفوضى والاضطرابات.

فالولايات المتحدة أخفقت بجدارة في القيام بدور "صانع السلام" الأمين والموثوق، نظرًا لتحيزها السافر لأطراف بعينها، وفي صدارتهم إسرائيل، واتبعت سياسة سكب البنزين على النيران المتأججة لدى تعاطيها في السنوات الماضية مع ملف الأزمة النووية الإيرانية المتفجرة، حيث سارت على غير هدى معصوبة العينين  وراء أجندة تل أبيب المتشددة في التعامل معها، ولم تكف يومًا عن ترديد حديث خوض حرب ضد طهران، من أجل القضاء على برنامجها النووي الذي تخشاه إسرائيل ويقلقها، وكأن عالمنا يحتمل حربًا أخرى إلى جوار الحرب الأوكرانية الروسية التي لا يزال يقاسي بمرارة من تبعاتها.

فقد واشنطن شروط النزاهة، والثقة، والحيادية، وتقدير المسئولية بالأوقات العصيبة التي يجتازها العالم من قبل القوة العظمى الأولى المهيمنة على المقاليد، مهد الطريق وفتحه على مصراعيه للصين لتصبح البديل القادر فعليًا على تقريب وجهات النظر بين الطرفين المختلفين، ووضعت قدميها بثبات في منطقة الشرق الأوسط مدركة ما بها من تعقيدات وعراقيل وألغام، لكنها اعتبرت نجاحها بروفة تدعم مساعيها وخطواتها المستقبلية لتوسيع رقعة وجودها السياسي إلى جانب حضورها الاقتصادي والمالي والعلمي، وتضع لبنة على سبيل إقامة نظام عالمي ثنائي القطبية وليس أحاديًا مثلما ترغب أمريكا.

وبذكائها ومهارتها المعهودة طرحت الصين نفسها كقوة سياسية صاعدة وتمتلك أدواتها المطلوبة والمؤهلة عبر أدائها المتميز والمباغت في إصلاح ذات البين بين الرياض وطهران، وأعلنت بشكل جلي أنها تستطيع تحقيق التوازن المنشود والمأمول دوليًا، لانتشال العالم من الفوضى المستشرية التي لعبت الولايات المتحدة دورًا طليعيًا في إحداثها وتعميقها.

وعضدت بكين إعلانها السالف بإظهار ثوابتها التي لا تحيد عنها، منها إحجامها عن التدخل في الشأن الداخلي لأي دولة، وعدم لجوئها لمبدأ الإملاءات المسبقة كما تفعل واشنطن بتحديدها اشتراطات معينة لمنح المساعدات والقروض وخلافه، وتبادل المصالح وحمايتها، فهي تستورد الجانب الأكبر من احتياجاتها النفطية من السعودية وإيران، ولها مصلحة مباشرة في تطبيعهما علاقاتهما ـ ٤٠٪ من واردات البترول الصينية تأتي من الشرق الأوسط ـ فضلا عن التبادل التجاري، وإعلاء لغة الحلول السياسية والحوار على نبرة التهديد والوعيد والخيار العسكري لتسوية خلافات الدول.

وظني أن التدخل الصيني الناجح في إنهاء الخلاف السعودي الإيراني سيفتح شهيتها لتطبيقه لوقف القتال بين روسيا وأوكرانيا، وربما تشهد الزيارة المهمة المرتقبة للزعيم الصيني شي جينبينج، للعاصمة الروسية في غضون الأيام المقبلة زخمًا وترتيبات في هذا الاتجاه الإيجابي الذي تنتظره بشغف وترقب الأسرة الدولية، وبيان من الجدير بالثقة واقتفاء الأثر.

 وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن التطورات الجارية بين السعودية وإيران دللت على الحاجة الماسة لإعادة النظر في الكيانات الإقليمية الشرق أوسطية التي لم تستطع آلياتها تطويق هذه الأزمة، وتصويب الأنظار للخارج بحثًا عن حل لها، وليتنا ننتهز تلك الفرصة السانحة لإنجاز هذه الخطوة التي سيكون لها مردودها العظيم والكبير فيما يتعلق بشئون الشرق الأوسط وما ينشب به من أزمات تنعكس آثارها على المحيطين الإقليمي والعالمي، وأخيرًا فإن الصين بعثت إلينا برسالة فحواها أنها قدمت لمنطقتنا سياسيًا لتبقى وليس كعابر سبيل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة