Close ad

الحكمةُ زاد السفر

13-3-2023 | 10:56
تبقى أيامٌ ونستقبل شهر رمضان الكريم، شهر الخير والإحسان، الذي يهبنا الله فيه من عطاياه اللامحدودة، لنراجع أنفسنا ونقف معها وقفة نواجهها فيها، ونتساءل إلى أي مدى كان وجودنا في هذه الحياة الدنيا وجودًا لينًا كريمًا ينحاز للإنسانية لا لمطامع الدنيا وأغراضها، فإذا كان الشهر الكريم مليئًا بهذه المنح والعطايا شاملة الرحمة والمغفرة، فإن الحياة في حد ذاتها مدرسة كبرى للتعلم وإعادةُ تهذيب الذات في جميع ما يتعلق بشئوننا، وفي جميع المعاني السامية التي قد يفتقدها مجتمع ما حتى صار الأمر اعتياديًا في سبيل السطوة أو الرغبة أو الطمع والملذات، فتتبدل الأجواء الطيبة بأجواء المكر والمؤامرات، والتي لا تليق مطلقًا أولا بالإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى، كما لا تليق بعملٍ محدود أو عام أهدافه الأولى وثوابته تحقيق المصالح العليا للجميع ومن ثم للأوطان التي ننتمي لها.


ورغم أن الحديث في هذا الشأن قد ورد في كل مقامٍ، سواء فيما حث به الدين أو ما جاء في حكم السابقين، لكن تجدنا بحاجة طوال الوقت لوخزة ضمير تعيدُنا إلى الاعتدال، حتى نبلغ درجة من الحكمة، التي هي القيمة الأثمن في هذه الحياة، واكتسابها ولو بقدرٍ هو فضلٌ من الله، فما الفائدة من استمرارنا على ذمة الوجود لو لم نتعلم من التجارب التي تمر بنا أو نتلمس للحكمةِ سبيلا، مصداقًا لقوله تعالى "وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا"..


فالخير كل الخير حين تختبر المواقف حكمتنا ومصداقياتنا وشرفَ كلمتنا وصلابتنا وعهدنا ووعدنا، وكذا التأني والنظر إلى تلك المواقف من منظور الارتقاء لا الاستعلاء، والإنسان مهما بلغ من قوةٍ توهمهًا فهو كائن ضعيف قد تهزمه صبيانية متأخرة وقد يهزمه غرور وتكبر وقد تهزمه أمراض البدن والنفس وخبائثها التي لا شفاء منها إلى بالهدى، ومن ثم ينتج عن ذلك كله تعجل في القرارات وادعاء امتلاك العلم والخبرة والقرار السليم، وفي هذا الشأن أوضح المولى عز وجل الصورة الأوضح والأكثر جلاء في قوله تعالى "وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا"، وقوله سبحانه "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا".


وأمام ذلك نتساءل: هل يحتاج الإنسانُ أحيانا للكثير وينقصه الكثير ليرتب ذاته، ويدرك أن التعالي عن الصغائر والارتقاء بالنفس عن الزلل، والنضج والموضوعوية وتحري الحق والمصلحة العامة لهي المعاني الراسخة دومًا، وإننا لو تأملنا موطن أقدامنا وما اكتسبناه من تجربة الحياة لما تحركنا نحو مواطن الزلل التي قد يجرنا لها البعض، حيث يعتمل الجهل كشبحٍ يسيطر على بعض النفوس فترجو أن يشاركها آخر زللها، في حين أن سلام النفس نابعٌ من التسليم بأمر الله الذي يقول في محكم التنزيل "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"، فلا تزل الأقدام إلى معترك لا فائدة أو جدوى منه سوى الخسران الكبير، وفي سفر الأمثال "حَمَاقَةُ الرَّجُلِ تُعَوِّجُ طَرِيقَهُ"، وهكذا الحال مع الكذب والخداع والتفكير في الشر والغضب وعدم الإخلاص وما إلى ذلك من حماقات تضيع أممًا وأوطانًا، فالعيش فى المجتمعات يتطلب وجود قوانين إنسانية راسخة تتحقق بموجبها الموضوعية والعدالة والانسجام والمساواة، وقد أدركت إلهة العدل عند الفراعنة "ماعت"، ذلك حين وضعت وثيقة المبادئ الأساسية فى الدولة المصرية القديمة، وقد تضمنت "لم أغلق أذناي عن سماع كلمات الحق، لم ألفق تهمة لأحد، لم أخالف القانون، لم أهدد السلام، لم أفعل الشر، لم أتحدث بغضب أو استعلاء،  لم أتصرف بكبر وغطرسة، وهو ما تضمنه قَسم المصرى القديم مؤسس هذه الحضارة العريقة، فى كتاب "الخروج إلى النهار" المُسمَّى بـ"كتاب الموتى"، الذي تُرجم إلى لغاتٍ عدة: لم أقم بإشعال فتنة، لم أتسرع بلا ضرورة، ولم أسلك سبيل الضالين، لم أقل كذبًا.


فيا ليتنا جميعًا ندرك ونعي ما جاء فى الأديان، وما كان عليه الأسلاف من أخلاقٍ، وقيم وأعراف، تقينا شرور أنفسنا ومطامع الدنيا الزائلة وتكفينا الزلل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة