Close ad

التفاؤل المأساوي!!

12-3-2023 | 16:55

فيكتور فرانكل ‏طبيب أعصاب وطبيب نفسي نمساوي، دعا في القرن الماضي إلى مفهوم طبي هو "التفاؤل المأساوي" للوهلة الأولى تصورت أن هناك خطأ ما في المصطلح، ولكن سرعان ما انكشف الأمر لي وظهرت الحقيقة.. نعم التفاؤل المأساوي هو الحل.
 
يرى عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل أن الحياة ليس بالضرورة أن تكون خالية من الخيبات ومفروشة بالورود لتكون ذات معنى، بل إن المعاناة هي من تمنح الحياة قيمتها وبالتالي معناها، أو ما أسماه فرانكل "التفاؤل المأساوي"!! ورغم واقعية المعنى، إلا أنه ذات مسحة حزينة، والحياة تفيض بالمعاناة، واضح أنه لا مفر من مواجهة هذا المعنى والتعايش معه!!

ويضيف فرانكل: بإمكانك اختيار موقفك تجاه الحياة بغض النظر عن ظروفك الخارجية، حتى عندما يسلب منك كل شيء! وحتى عندما تعيش في جحيم مطلق، لا يزال بإمكانك اختيار نظرتك الحياتية، يمكنك أن تختار اليأس، أو العجز، أو التشاؤم، أو التعلق، أو يمكن اختيار شيء مختلف تمامًا.

نظرة فيكتور فرانكل لا تأتي من فراغ، أو من حياة سهلة بسيطة، بالعكس فقد مر بتجارب شديدة القسوة، تعرض للاعتقال والتعذيب لسنوات، ونجا من معسكرات الاعتقال النازية، وفقد عائلته بالكامل في الهولوكوست.

يُعرّف الطبيب النفسي الشهير فيكتور فرانكل "التفاؤل المأساوي" بأنه: قول "نعم" للحياة على الرغم من الخسارة والألم والشعور بالذنب الذي يجب أن تواجهه!!، فالتفاؤل المأساوي يشجع على الشعور بالمشاعر الصعبة التي تأتي من المأساة وإيجاد المعنى فيها..

وينصح فرانكل: عندما يتعرض الإنسان لمأساة، لا تقدم نصيحة له "كن إيجابيًا" هذه هي النصيحة الأسوأ على الإطلاق، فهو يرى أن الحل في أوقات كهذه هو "التفاؤل المأساوي" (Tragic optimism)؛ وهو قدرة المرء على البحث عن معنى لحياته بين المآسي الحتمية للوجود البشري، وهو الشيء الأكثر عملية وواقعية، الذي يمكن للمرء أن يمارسه خلال هذه الأوقات العصيبة، وعلينا جميعًا تقبل أن الحياة رحلة طويلة مليئة بالمعاناة، ولا يمكن لأي عمليات تفكير إيجابي مهما تكررت أن تغيّر هذه الحقيقة.

ويوضح شارحًا: كونك إيجابيًا أمر مهم للغاية، لكنه ليس دائمًا الحل الوحيد للأزمة! فهذه الإيجابية قد تعرضك لأزمات عديدة منها:

أولًا: على سبيل المثال، قد يقلل الأشخاص الذين تربطهم علاقة مسيئة من خطورة الإساءة ويختارون البقاء في العلاقة! وسيكونون مفرطين في التفاؤل، ويأملون أن تتغير هذه المعاملة المجحفة، وبالتالي يسامحونهم على ذلك!

ثانيًا: عندما نجبر أنفسنا على مجرد النظر إلى الجانب المشرق، فإننا نقمع المشاعر السلبية، مما قد يجعلها أكثر قوة، لكن قد تندلع هذه المشاعر في يوم من الأيام، خاصة عندما نتعامل مع مأساة.

ثالثًا: يمكننا حتى أن نشعر بالخجل أو الذنب بسبب هذه المشاعر الصعبة، بالبقاء إيجابيين، هذا يقلل احتمال طلب المساعدة؛ لأننا نعتقد أننا بخير تمامًا ولسنا بحاجة إلى أي مساعدة.

رابعًا: جعل "المشاعر الإيجابية فقط" شعارنا يمكن أن يقتل قدرتنا على مواجهة التحديات وجها لوجه، من خلال تجنب المشاعر السلبية، وبهذا يمكننا أن نفقد القدرة على التصرف السليم
 
ومع كل هذا، فإنه يرى أن التفاؤل لا يزال مهمًا، لكن لا ينبغي أن يكون الشيء الوحيد الذي نعترف به عند التعامل مع الأزمة، بل يجب أن نشعر بالألم، ولكن يمكننا قلب السيناريو بتحويل معاناتنا إلى تحقيق شيء ما، والشعور بالذنب هو عاطفة إنسانية طبيعية لا ينبغي لنا أن نتخلى عنها، وعندما نواجه خسارة، يجب أن نظل نشعر بالحزن، لكن يمكننا التعلم من هذا الشعور ونحاول التعامل مع الحياة بشكل أفضل.

وإذا تمكنا من إيجاد المعنى وراء الحياة، يمكننا المضي قدمًا ويمكننا من أن نجد يومًا ما سعادة حقيقية في هذه الحياة!!

ويتيح لنا الأمل أن نوازن بين الأشياء الفظيعة التي تحدث الآن، مع إمكانية أن نختبر المعنى من المأساة، وهذا هو جوهر "التفاؤل المأساوي" والذي ربما يكون دواءً لـ "الإيجابية السامة"

والتساؤل الذي يفرض نفسه وأوجهه إلى أطباء النفس البشرية: هل الاستسلام للمعاناة يخفف من الأزمات؟ هل الخنوع للهزائم يشفي الجراح؟ هل هذا هو المقصود؟ ألا يدعو هذا لليأس وتدمير الذات؟ أم المقصود هو الصبر على مآسي الحياة، والإيمان بأن هذه هي الحياة، وعلى الإنسان القبول والإذعان الراضي..
 
على الجانب الآخر.. تشير نتائج الدراسات النفسية إلى أن الناس بعد تعرضهم لمواقف صعبة يمرون بتغيير نفسي إيجابي، فينضجون بعدة طرق، منها مثلا: تعمق تقديرهم للحياة وللعلاقات الإنسانية، وزيادة شعورهم بالتعاطف والإيثار مع من حولهم، والتساؤل عن الغرض من الحياة، والاستفادة من مواطن القوة الشخصية والنمو الروحي، وزيادة الحس الإبداعي، وتشير الدراسة أيضًا إلى أن القدرة البشرية على المرونة والتكيف مذهلة واستثنائية للغاية.
 
 ومن هنا "التفاؤل المأساوي" هو أن نقول "نعم" للحياة على الرغم من الخسارة والألم والشعور بالذنب الذي نواجهه من هنا وهناك، بينما تصر "الإيجابية السامة" على أنه يجب أن يكون لدينا عقلية إيجابية فقط، فإن التفاؤل المأساوي يشجعنا على الشعور بالعواطف الصعبة التي تأتي من المأساة وإيجاد المعنى فيها.

وهنا عزيزي القارئ أنت مع أو ضد "التفاؤل المأساوي"؟

كلمات البحث
الأكثر قراءة