Close ad

الخطوط الفاصلة بين الوثائقي والروائي في السينما

12-3-2023 | 12:41

فى دورته ال24 التى تفتتح الثلاثاء المقبل، يكشف مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة - في الفترة من 14 وحتى 20 مارس، برئاسة الناقد عصام زكريا - عن نوعية جديدة من الأفلام يطلق عليها "العابرة للنوع" أو "hybrid"، يحاول فيها بعض السينمائيين تقديم تجارب برؤى وفكر خاصين، من خلال المزج بين أكثر من نوع من الأشكال السينمائية داخل الفيلم الواحد، ومنها محاولة أن يكون الفيلم متضمنًا الروائي، والوثائقي، والتحريك، وبحرفية لا تجعل المشاهد يشعر بأن هناك فواصل متعمدة، وبرغم أن تجربة الإستعانة في الأفلام الروائية بما هو وثائقي تمت من قبل على أيدي كبار المخرجين، وفي أفلام مهمة منها ما تناول الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو حرب فيتنام، أو تلك الأنواع التى يضطر فيها المخرج لتوثيق بعض الأحداث، إلا أن ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية كان ضروريا للبحث في مثل هذه النوعية والتى يحاول مهرجان الإسماعيلية أن يلقى عليها الضوء في دورته ال24، ومن الأفلام التى ستعرض للجمهور كأمثلة لتلك النوعية، فيلم "أموسو"، إنتاج بلجيكي، للمخرج نادر بوحموش، وتدور أحداثه في إحدى القرى يقرر سكانها مع بدء جفاف آبارها، إغلاق خط أنابيب مياه تابع لمنجم فضة.

ومن الأفلام التي يكشف من خلالها المهرجان هذا النوع من السينما الجديدة، فيلم "اصطياد الأشباح" للمخرج الفلسطيني رائد أناضولي، وهو فيلم وثائقي فلسطيني، وبطولة رمزي مقدسي. حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي في الدورة 67 لمهرجان برلين السينمائي 2017. 

أيضًا، قُدم كفيلم فلسطيني لأفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار 91، لكنه لم يُرشح.، ويحكي قصص الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل المفرج عنهم؛ حيث يسترجعون ويعيدون خلق التجارب المروعة التي مروا بها في المعتقلات الإسرائيلية.
تبدأ أحداث الفيلم بإعلان ينشره المخرج رائد أنضوني بالصحف المحلية يطلب فيه عُمّالا قد سبق لهم قضاء عقوبة بالسجن في سجن المسكوبية، للمشاركة في بناء السجن لاستخدامه في عمل سينمائي، ويتابع الفيلم رحلة بناء السجن بالفعل، ومع متابعة مراحل بناء السجن نتابع تطور حالات السجناء، وفيه يقدم المخرج سينما مختلفة تمزج بين أشكال متعددة وبطريقة تذوب فيها الفواصل.

كما يعرض المهرجان في هذا الإطار فيلم "ثمانية وعشرون ليلًا وبيت من الشعر" للمخرج أكرم زعتري، ويقدم الفيلم بشكل توثيقي رؤية خاصة لما يدور في عالم التصوير، مستعرضًا ما كان يتم من نشاط في أحد أستوديوهات التصوير في أواسط القرن العشرين، بينما يحاول جزء ثان من الفيلم أن يستكشف روح صناعة التصوير في حد ذاتها.

وبشكل سينمائي بديع يقدم فيلم "وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم" إخراج: داود عبدالسيد، إنتاج 1976 حصل الفيلم على جائزة التحكيم الخاصة من مهرجان الأفلام المصرية التسجيلية والقصيرة لعام 1977، وجائزة اتحاد النقاد المصريين في نفس العام مناصفة مع فيلم خيرى بشارة "طائر النورس".

ويستخدم داود عبدالسيد التعليق الصوتي بطريقة خاصة، محاولا أن يحذر من الخطر الداهم الذي يتهدد الأرض ويتهدد الريف المصري والفلاح، مثل "تجريف الأرض" أو هجرة الفلاح من الريف إلى المدينة بحثًا عن عمل.

وللمخرج عمر أميرالاي يعرض فيلم "الدجاج" ويصنع من خلاله المخرج السوري عمر أميرالاي سينما يقنع من خلالها المشاهد بأن الواقع قد يكون أكثر غرابة من الخيال، وأن الفيلم التسجيلى لا يقل شأنا في توصيل الرسالة عن الروائي.

هذه سينما خاصة يقدمها مهرجان الإسماعيلية في دورته ال24 يكشف لمتابعيه بأنه مع التطور السريع في تقنيات الفن السينمائي، ضاقت المسافات بين كل أشكال الصناعة، بل يمكن القول إنها تتلاشى في كثير من الأحيان، وخاصة عندما يضطر مخرج سينمائى لاستخدام معظم مفردات الفيلم الوثائقي لصناعة فيلم روائي، وهنا يضع المشاهد في حيرة، أي نوع من السينما يشاهد.. وقد لجأ خبراء الفن السابع لتسميات معينة تنقلهم إلى منطقة وسط ما بين الوثائقي والروائي وأسموها ب"الديكودراما" وهي مزج للوثائقي والروائي معًا..

كثير من الأعمال الروائية لا بد وأن يستعان فيها بما هو وثائقي، بل قد تعتمد أفلام روائية على وقائع توثيقية تنسج حولها قصصًا من الخيال لصناعة الفيلم الروائي، وهو ما حدث في أفلام الحروب والتي استعان فيها صناعها بالوثائقي، كما هو لتأكيد رؤى سينمائية منها ما هو واقعي ومنها ما هو من نسج الخيال كاملا.. ومن ثم تظل المسافات بين ما هو وثائقي وروائي ضيقة، حيث كلاهما يستخدم نفس الأدوات؛ من مخرج وكاميرات تصوير، وإضاءات، وديكورات في بعض الأحيان؛ بل وحتى العنصر المميز للروائي وهو الإنساني والحكي والأداء التمثيلى قد يحتاجه صانع الوثائقي لتقديم رؤية سينمائية متكاملة.

وكان أول فيلم تسجيلي يستخدم فيه الممثل المحترف هو فيلم "ألمانيا تحت الرقابة" الذي أخرجه روبرت بار وأُذيع في التليفزيون البريطاني يوم 18 سبتمبر من عام 1946، وفي 6 أكتوبر من العام نفسه أُذيع فيلم آخر تحت عنوان "أريد أن أكون ممثلًا" أخرجه ميخائيل باري، وقد كانت لروبرت بار وميخائيل باري الريادة في مجال الدراما الوثائقية، ثم انضم إليهما دونكان روسي الذي جاء من السينما الروائية، وكانت أول أعماله الوثائقية للتليفزيون البريطاني فيلم "لندن في الظالم" الذي حقق نجاحًا كبيرا


وقدم عاطف الطيب تجربته الرائعة فيلم "ناجي العلي" فقدم سيرة حقيقية وبمشاهد ولوحات حقيقية موثقة لممثل في دور ناجي العلي، وهو الممثل الراحل نور الشريف.. وصورت المشاهد في بعض الأماكن.

أصبحت كل الأفلام التى تصنع لشخصيات واقعية، يستعان فيها بما هو توثيقي ومن ثم يمكن القول إن لا فوارق شاسعة،ولا أدل على ذلك من فيلم ستيفن سبيلبرج الأخير "ذى فيبلمان" The Fabelmans. الذى تستند أحداثه إلى طفولة ونشأة (ستيفن سبيلبرج) بعد الحرب العالمية الثانية في ولاية أريزونا، من سن السابعة إلى الثامنة عشر. حيث يكتشف شاب يدعى (سامي فابلمان) سر محطمًا عن عائلته، ويستكشف كيف تتمكن الأفلام من إدراك حقيقة الآخر وحقيقة أنفسنا.هذا الفيلم جمع فيه ستيفن سبيلبرج كل ما يمكن أن يستدل به على اختفاء الفواصل بين ما هو روائي ووثائقي وتسجيلي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة