Close ad

المنيا .. كتاب تاريخ

11-3-2023 | 12:14

تحتفل وأحتفل معها وأنا ابنها .. بعيدها الرابع بعد المائة!

تلك هي محافظة المنيا التى يحل عيدها القومي في الثامن عشر من شهر مارس الجارى إحياءً لذكرى تصدي أبناء المحافظة لقطار يحمل جنود بريطانيين فى ثورة 1919، ما أدى لمقتلهم وعلى رأسهم قائدهم. 

  يأتي هذا الاحتفال بعد أيام من زيارة الرئيس السيسي لمدينة المنيا الجديدة وافتتاح عدة مشروعات سكنية وطبية وخدمية، وها هو التتويج يأتي ليبشرنا باهتمام الدولة بمحافظات الصعيد وعلى رأسها عروس الشمال. ذلك التطوير الذى أرى أنه مجرد بداية وأن ما تحتويه المنيا من إمكانات أكبر بكثير مما تم، وأن أهم ما يجب الاهتمام به فيها آثارها .. وأن المنيا تستطيع أن تضع نفسها على الخريطة العالمية للسياحة إذا وجدت اهتماما يليق بما تحويه من كنوز..

عروس الصعيد !

  لو أن بلداً أوروبياً لديها نصف ما لدى المنيا من آثار ومساجد وأديرة وكنوز لصارت أغنى بلد.. ولو أن المنيا وجدت من يضعها على الخريطة العالمية للسياحة لصارت اليوم ألمانيا مصر!

  لو حدثتك عن تاريخ المنيا الفرعونى المتناثر على أرضها والذى تحول إلى كتاب مشهور تستطيع قراءته أونلاين ببحث بسيط. لربما تساءلت: ولماذا لا أعرف عن آثارها شيئاً، لماذا لا أعرف إلا الكرنك والهرم وأبو سمبل ولا أدرى شيئاً عما فى المنيا من آثار؟ وهو سؤال قد يجرنا للاستفسار عن حالة الأمية التاريخية لدينا نحن أصحاب هذا التاريخ! وعن زهدنا في مشاهدة آثارنا ومتاحفنا والتعرف على ما فيها..

  البعض سمع ربما عن تل العمارنة.. ولعله من أشهر المناطق الأثرية فى المنيا لكنه قليل من كثير وبعض من كل. تل العمارنة منطقة اختارها إخناتون ، أول من وحد الآلهة المتعددة آنذاك، وزوجته نفرتيتي لإقامة مملكته المسماة اخت آتون وأصبح رمز المملكة قرص الشمس. لهذا نرى فى شعار محافظة المنيا رأس نفرتيتي وقرص الشمس. 

  هذا ما يعرفه الناس، فماذا عن الآثار الفرعونية التى لا يدرون عنها؟ المنيا تكتظ بعشرات الآثار فى البهنسا وجبل الطير واسطبل عنتر ناهيك عن المعابد والمقابر كما فى منطقة بنى حسن وبها 39 مقبرة فريدة منحوتة فى الصخر! ومقابر فريزر ومقبرة "ما هو" رئيس الشرطة في عهد إخناتون.

  وإذا انتقلنا لعصر ما بعد الفراعنة فإن المنيا زاخرة بعدد آخر من الآثار الرومانية واليونانية ، إلى جانب أديرة من العهد الأول للمسيحية منذ رحلة العائلة المقدسة. ففى تونا الجبل آثار كأنها عناوين قصص خيالية.. فمن "سراديب تحوت" إلى لوحة الحدود إلى البيت الجنائزى لإيزادورا إلى الساقية الرومانية!!

  كل هذا بخلاف آثار مبعثرة هنا وهناك فى الأشمونين وطهنا الجبل بعضها فى ديرمواس وغيرها فى ملوى أو فى سمالوط أو بنى مزار! أنت أمام كتاب تاريخ يحوي آثاراً من كل العصور التى مرت على مصر حتى المملوكى والعثمانى.. فهناك قصور ما تزال تحتفظ بحالتها البهية كقصر فورتنييه وقصر عبد العزيز درويش وقصر عبد المجيد باشا سيف النصر وقصر الشريعي وقصر الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر الأسبق وكان من أشهر من تولوا هذا المنصب وله إبداعات وكتابات فكرية رصينة مشهورة.

 الحق أن المنيا على ما نالها من تطوير وتنمية ما تزال تحتفظ فى جعبتها بكنوز لم يتم استغلالها على الوجه الأمثل حتى اليوم.

وحدة وطنية حقيقية
 آثار المنيا تنم عن وحدة وطنية حقيقية بقيت على مدار عشرات السنين وما تزال ترتسم فى جنبات المكان مهما تقادم الزمان وهي باقية فى طوايا الإنسان الذى يستوطنها مسلما كان أو مسيحيا..

  معروف فى مصر أن المنيا مقصد للمسيحيين فى كل ربوع المعمورة؛ لأن بها دير السيدة العذراء الأقدم والأهم فى مصر إلى جانب أديرة أخرى تاريخية كدير الأنبا بيشوى وغيرهما. فلماذا لم نستغل هذا الأمر فى السياحة الدينية كما ينبغى؟ لماذا ما يزال مسار العائلة المقدسة محجوباً عن الاهتمام فى المنيا وغيرها من مناطق مصر الزاخرة بالتاريخ؟! 

  إنك إذا أردت أن تحكى قصصاً منسوجة حول أحقاب تاريخية لها آثار فى المساجد والمعابد والكنائس والأديرة لن تجد مثل المنيا، ومثلها فى مصر كثير.. مثلاً قصة دير جبل الطير.. يقول المؤرخ المقريزي، إن هناك طائرًا يعرف باسم طائر البوقيرس الذى يشبه طائر أبوقردان، وهذا الطائر من الطيور المهاجرة التى تهرب من شتاء وبرد أوروبا إلى دفء شتاء وادى النيل بمصر، وكان يتجمع بكميات كبيرة بهذا المكان، كما سُمى أيضاً بدير جبل الكف، حيث يُروى أنه فى أثناء مرور العائلة المُقدسة أمام الجبل كادت أن تقع عليهم صخرة فوضع السيد المسيح كف يده فى مواجهة الصخرة فطُبع كفه عليها..قامت ببناء هذا الدير الإمبراطورة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين فى القرن الرابع الميلادى عام 328 ميلاديًا، والكنيسة منحوتة فى الصخر، وقد استبدل السقف الصخرى بسقف مسلح بعمل دور ثان فى أوائل القرن العشرين على يد الأنبا ساويرس المتنحى، مطران المنيا والأشمونين عام 1938.

 هذه قصة صغيرة من عشرات القصص.. وهناك حقائق ومعلومات أكثر تعرفها لو فكرت يوما فى زيارة هذه الأماكن ولو من باب الفضول أو من باب العلم بالشئ.

 أما لو حدثتك عن المساجد التاريخية فى المنيا فلن يكفينى مقال واحد..وكل مسجد وزاوية فى المنيا تحكي تاريخاً عن فترة تاريخية ما..ففى منطقة البهنسا مسجد بنى الحسن بن زين العابدين بن على، وفى ملوى مسجد عبادة بن الصامت الصحابي المشهور والذي اعتبره عمر بن الخطاب رجلاً بألف رجل وبعثه على رأس مدد لعمرو بن العاص لفتح مصر. ومن مساجد العصر الفاطمى مسجد العمراوى ومسجد اليوسفى ومساجد وزوايا من العصرين المملوكى والعثمانى ومساجد العارفين كمسجد الفولى بخلاف زاوية السلطان ومسجد اللمطى ومسجد المصري وغيرها ..

  أنا متأكد أن كثيرين لا يعرفون شيئاً عن تلك المناطق أو تلك الآثار المعبرة عن تاريخنا العريق لا أقول من المصريين بل من أهل المنيا أنفسهم..لأننا للأسف لم نعد نملك رفاهية الوقت لمشاهدة آثار بلدنا حتى ندرك شيئاً عن تاريخنا بينما نملك كل الوقت لمشاهدة فضائيات تافهة لا نفع لها إلا قليلا!!

مائة عام من العزلة!
  نعم مرّ على واقعة أبطال المنيا وعيدها القومى الأول أكثر من مائة عام.. هى تشبه مائة عام من العزلة عن العالم وخريطة السياحة العالمية.

  السائحون من كل العالم لهم جدول زمنى وقائمة زيارات محددة يشاهدونها من نافذة أتوبيس ضيقة، فلا يرون ولا يزورون عشرات من المواقع والمناطق الأثرية الثرية بالقصص والحكايات. وإذا كانت آثار المنيا تفتقر لمن يزورها من أبناء البلد ولمن يتعرف عليها ويزورها من السائحين القادمين من جنبات العالم فلا شك أنها آثار تعانى عزلة بغيضة وشيئا من الإهمال وعدم الاستغلال!

  متى نجد أموال المستثمرين وجهود الدولة لتنشيط السياحة تتجه لمثل تلك المناطق والأماكن غير المستغلة ؟! عسى أن يكون قريبا..

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة