Close ad
9-3-2023 | 15:44
الأهرام المسائي نقلاً عن

لمن لا يعلم فأنا متعهدة طابور العيش في عائلتي لان أبي متعه الله بالصحة والعافية يستسيغ العيش التمويني من أحد الأفران تحديدا، وكلما حاولت أن أتجاهل الحصة التموينية يبادر أبي ليكلمني، فين العيش؟ فيكون ردي، حاضر يا بابا، لأخصص يومًا لتلبية طلب أبي، لأرتدي من الملابس ما يتلاءم مع الموقف، واتجه لأخذ مكاني في طابور العيش.

بادئ الأمر لا اخفي عليكم، جلست في سيارتي أراقب الموقف من بعيد وأضع خطة للتعامل، وترتيب خطواتي التي سأتخذها، إلى أن فهمت آلية التعامل، فمن هنا أقدم البطاقة التموينية وأحصل على إيصال بعدد الأرغفة لأقف في طابور مواز تمهيدًا لاستلام الأرغفة، وهذا طابور للسيدات وآخر للرجال، وبعد أن أتسلم الأرغفة، فهذا مكان لتهوية العيش كي يحتفظ بقوامه، إلى أن فهمت الخطوات، وأصبحت متمكنة منها، لأبدأ رحلتي التنفيذية كل فترة وتكرار نفس الخطوات، ففي بادئ الأمر كان وقوفي صامتًا أشبه ما يكون الأمر بشخصية لينا في مسرحية المتزوجون، ليشفق على المتواجدين فكانوا يساعدونني مرة في حمل قفص العيش، وآخرون يعاونونني في وضع العيش وتهويته، وهذه سيدة فاضلة 

تضع لي العيش في الكيس، ومع تكرار الأمر، أستطيع أن أقول إنني أصبحت "بروفيشنال" في كافة الخطوات المتعلقة بالحصول على العيش التمويني.

ليتحول صمتي في طابور العيش بادئ الأمر وبداية التجربة إلى حوارات مع من يقفون أمامي وخلفي، لأجادل من تحاول أن تتخطاني في الدور واشترك في نصرة أخريات تحاول واحدة أن تتخطى دورهن، لكن الملاحظة العامة أن الغالبية العظمى يحرصون على النظام واتباع الدور وإنصاف كبار السن والعطف على الأطفال وإن وجدوا في نفس الطابور. وأثناء وقوفي لا مانع من تجاذب الحوار حول مختلف الموضوعات الحياتية العامة، ويأتي في مقدمتها تطورات الأسعار، فسعر البصل وصل لحد أصبح يحتل مساحة من الحوار، وبالطبع سعر كيلو اللحم قد تخطى حد المقبول، لأكتشف حتى وإن كان الحوار على سبيل الفكاهة فإن آمال الحصول على كيلو لحم جاءت بالنسبة إلى بعض الفئات في مرتبة الموبايل مسبقاً كهدية للأبناء مقابلاً للنجاح في سنواتهم التعليمية.

لمست في طابور العيش قدرة تحمل المرأة المصرية، وحسن إدارتها لاقتصاد بيتها، وكيف تخطط لتدبير احتياجات بيتها من المواد البروتينية في رمضان بحيث توائم الموارد المادية المتاحة لديها، فهذه سيدة ستسعى إلى استهلاك الكيلو الواحد من اللحم على يومين إفطار، وهذه سيدة أخرى ستقسم الدجاجة الواحدة على ثمانية قطع لتكفي يومين إفطار أيضاً، كما شاهدت إدراكهن لأهمية الاستعاضة والاستبدال لأية سلعة قد ترتفع قيمتها، ليتحول الحوار إلى حوار فكاهي بأننا سنخرج من رمضان كما الغزلان نظرًا لاقتصادنا في أكل النشويات.

كما لا يخلو طابور العيش من بعض الأحاديث السياسية والاقتصادية المبسطة، وتطورات الأحوال العالمية على الاقتصاد المحلي من وجهة النظر الشعبية، لأدرك أن الثقافة الشعبية لا بأس بها، وإن درجة الوعي جيدة جدًا، وبتأملي للطبقات المحيطة في طابور العيش، تلاحظ لي أنه ينضم له يوم بعد يوم وجوه جديدة، ومن الواضح جدًا أن بعضهم مستجد في الأمر نظرًا لأنهم يتساءلون عن الخطوات، ليذكروني بنفسي بداية رحلة الانضمام.

وبالوصول إلى منفذ استلام العيش، فالأمر لا يخلو من مناوشات قد تحدث بين البعض في طابور السيدات والبعض في طابور الرجال، فكل منهم يرغب في الحصول على نصيبه أولا ليكون رد بعض الرجال بأن هذه هي المساواة، لأكتم كلماتي والتي كنت أتمنى أن أرد بها لأقول إنني من أنصار الإنصاف وتكافؤ الفرص سيدي.
لتنتهي الحكاوي بعد أي حوار بين الفئات المشاركة في طابور العيش بجملة ثابتة وهي الحمد لله على كل الأحوال، والدعاء لوطننا بدوام النعم وعدم زوالها.

باختصار الحياة والواقع يتجسدان في طابور العيش، ومرة تلو الأخرى بدأت أحب طابور العيش، وأستعد له قبل مكالمة أبي، لأذهب كي أحجز مكاني بين مختلف طوائف الشعب، لأنتقل إلى الواقع الاقتصادي، وإلى الفطرة الشعبية غير المصطنعة، حفظ الله مصر، وحمى شعبها وجيشها، وجعل الله كل الخير على يد قائدنا.

* خبيرة اقتصادية 

[email protected] 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: