Close ad

الحرب والسلام.. ماذا يبقى

5-3-2023 | 15:30
الأهرام المسائي نقلاً عن

ما الذي يتبقى بعد انتهاء الحرب؟ سألت صديقي، "الدمار وشواهد القبور"، أجاب بصوت فيه بحة يأس.

كلما كان تصويب القذيفة دقيقًا ابتهج الجندي في ساحة القتال، بينما ينشغلون في الجانب الآخر في انتشال الضحايا من بين أكوام الركام.

قفز جندي روسي فرحًا بعد ما قلده قائده ترقية استثنائية، دمعت عينا أمه سعادةً بوليدها النجيب الشجاع المخلص للوطن، في غرفة الاستقبال وضعت صورته بزيه العسكري تزينها نجمة جديدة وضعها الوطن على صدره عرفانًا بجهوده المخلصة، بعد قليل تؤطرها بشريطٍ أسود وتنكس رأسها.

في الجانب الآخر، لملمت أم أوكرانية أشلاء أسرتها الممزقة، جفت بحيرات دموعها وتشققت تربتها. أشعلت خمس شموع بعدد من فقدت ثم تكومت إلى جوار حطام بيتها تمضغ الجوع ويحتضنها الصقيع. وغير بعيد يتمطع شبحُ السيد موتُ في تحد. ينظر إليها بعينيه الكسولتين اللزجتين. يسير تجاهها وببراعة –يحسد عليها- ينجح في تجاوزها وتخفق هي في الإمساك به، يردد الفراغ صدى قهقهته العالية، ينظر إليها من خلف ظهره ويَعِدَها أن يطير بها في القريب العاجل نحو السماء، لكمت السيدة بقايا الجدار في يأس ثم صبت عليه جام غضبها وراحت تلعن حظها السيئ وذاكرة السيد موت التي تنساها في مواسم حصاد الأرواح.

ما الذي قدمه الأصدقاء طوال عام مضى من النزيف الحار؛ بندقية كرنفالية وحفنة بارود يضمنان أن لا غالب ولا مغلوب. أن تظل واقفًا على ساق واحدة في المنطقة الرمادية، فلا سيرًا تستطيع ولا موتًا تملك. تقف منتصبًا شاخصًا للفراغ، تظن أنك الأقرب إلى النصر وأنك قادر على الصمود، بينما يراك العدو صيدًا ثمينًا يستحق القليل من العناء كي يحسم المعركة، والمعركة تلد في اليوم والليلة ألف معركة جديدة.

الحنكة الدبلوماسية أن تمنح كل طرف قدرًا من المراوغة يبقيه واقفًا يقنعه بالصمود ويغري الطرف الآخر بالاستمرار في الحرب. حالة أقرب إلى البقاء حيًا ما بقى في خزان أسطوانة الأكسجين دفقة حياة تصل الجسد المسجى على السرير.

لونت باريس برجها الأسطوري بعلم أوكرانيا، وكذلك فعل الاتحاد الأوربي بمبانيه. ودعا رئيس وزراء بريطانيا –الهندي الأصل- السفير الأوكراني مع ثلة من جنود يتلقون تدريبهم في لندن لالتقاط صورة تذكارية طيرتها وسائل الإعلام. واستضافت العواصم الأوربية مؤتمرات واجتماعات من كل الأحجام لدعم أوكرانيا، والنتيجة دعوة لمؤتمر جديد.

يتردد صدى قرع طبول الحرب في زوايا الكون الأربعة، يغرس السيد حرب رايته الممزقة فوق أكوام الضحايا، ينظر للمدى بعينِي قائد مُظَفَر يحالفه النصر في كل المواقع، بينما يتصاعد دخان الحرائق من كهفي عينيه الغائرتين.

يفتح أمل دنقل ديوان أشعاره ويقرأ (أيها الواقفونَ على حافةِ المذبحة/ أشهروا الأسلحة!/ سقط الموتُ، وانفرطَ القلبُ كالمسبحة/ والدم انساب فوق الوشاح!/ المنازلُ أضرحة/ والزنازنُ أضرحة/ والمدى أضرحة/ فارفعوا الأسلحة/ واتبعوني!/ أنا ندمُ الغدِ والبارحة/ رايتي عظمتان وجمجمة/ وشعاري الصباح).

ما الذي يتبقى بعد انتهاء الحرب؛ اضطرابات سلاسل الإمداد. نقص في القمح وفائض في السلاح. وأسعار طاقة تتكفل بقلب موازين الدول. أزاحت أوروبا ملفات المناخ جانبًا والتقمت المزيد من قطع الفحم. وما زالت الأسواق تتداعى كقطع دومينو تتساند على سيقانها المتعبة.

البعض يكفيه كلمة أو كلمتان كي يفهم الرسالة، والقيصر لم تكفه أربع مجلدات من رواية الحرب والسلام، سكب فيها ليف تولستوي رحيق إبداعاته الروائية. رحل الاستاذ سامي الدروبي بعد ترجمة جزئين وعمر قضاه في ترجمة أعمال ديستويفسكي. يبدو أن عظمته اكتفى بقراءة الإخوة كرامازوف.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: