Close ad
5-3-2023 | 12:26

في ظاهرها تبدو الحرب الراهنة المستعرة والطاحنة، حول تطبيق "تيك توك"، بين الصين والولايات المتحدة، يؤازرها الأوروبيون والكنديون بكل طاقاتهم، محاولة مستميتة ومشروعة من قبل الأطراف الثلاثة الأخيرة، لحماية أمنهم القومي من الاختراقات الصينية لبيانات مواطنيهم المستخدمين للتطبيق، خاصة العاملين منهم في الدوائر والأجهزة الحكومية على اختلافها، حيث إن الشبح الصيني المخيف يطاردهم في منامهم وصحوهم ويبث الرعب والفزع في نفوسهم القلقة، ولذلك فإنهم سيتخذون كل الإجراءات الوقائية الضرورية الكافية لتحصينهم ودرء الخطر عن عقر دارهم، مهما كلفهم الأمر من عنت ومشقة.

الحجة الأمريكية - الغربية محكمة ومبررة، ومَن يسمعها، أو يقرؤها سيتفهمها ويؤيدها كلية، لكنها في حقيقتها غطاء يخفى تحته السبب الفعلي والعملي لموقعة "تيك توك"، وهو أن أمريكا والصين تتنافسان على قيادة الثورة التكنولوجية القادمة، إذ إن واشنطن مرعوبة من فكرة سحب صولجان التكنولوجيا منها، واستقراره على رأس الصينيين، الذين أضحى لهم وزنهم وحضورهم القوى والمتغلغل تكنولوجيًا وبشكل يزعج منافسيهم الأشداء والعنيدين بالقارة العجوز وبالأراضي الأمريكية، فما يدور معركة على المستقبل وليس الحاضر ومعطياته.

وتقديري وقناعتي الشخصية أنه مع تعدد وتنوع ميادين المنافسة بين واشنطن وبكين سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، فإن أشدها وطأة وعنفًا وإلحاحًا، هي الحرب التكنولوجية المتأججة بين العاصمتين بلا هوادة، وتشتد رحاها وتتصاعد بمرور الوقت، وتضع الإدارة الأمريكية في تقديراتها وحساباتها أن الصين نجحت خلال وقت قصير في تعظيم أدواتها وأسلحتها الثقيلة التي مكنتها من خوض غمار هذه الحرب بندية واقتدار مع القوة العظمى رقم واحد ومؤيديها غربًا وشرقًا، وأحيانا تسبقها بخطوة أو أكثر في هذا المضمار الحيوي والدقيق الذي يعد من بين المؤشرات والمعايير الحاكمة لتصنيف الدول بخانة الكبار المؤثرين على مجريات ومسارات الأحداث.

فالصين لم تعد المكان التقليدي المنوط به تجميع المنتجات والسلع على أرضها باستغلال قوتها العاملة الكثيفة ورخيصة السعر مقارنة بنظيراتها بالبلدان الغربية المتقدمة، وتخطت ذلك لتنتج تقنياتها الخاصة المتطورة، وتقلل الفجوة في المعرفة العلمية بينها وبين الغرب، وهذه النقطة خاصةً كانت تشكل فارقًا شاسعًا بين الطرفين وميزة يتفوق بها الأمريكيون والغربيون، وتجعلهما دائما أصحاب اليد العليا والمانحة للصناعات الصينية.

استفادت بكين من الشركات الأجنبية المتكالبة على إقامة خطوط إنتاج لديها، حيث تعلمت منها مهاراتهم التصنيعية ونقلتها لعمالها وطورت قوى عاملة ماهرة وذات خبرات عالية تستطيع المنافسة وهي واقفة على قدمين ثابتتين، ودشنت شبكة واسعة النطاق من موردي المكونات والمواد الخام المستخدمة في مصانعها، وبعدما كانت مكونات تصنيع الهاتف المحمول ذائع الصيت "آيفون" مثلا تأتى بكاملها من خارج الصين فإن شركات التكنولوجيا الصينية اليوم تقدم ٢٥٪ من هذه المكونات بعد أن كانت صفرًا حتى أعوام خلت.

وعلى الرغم من المساهمات المتواضعة نسبيًا للصين في مجال البحث الرائد والابتكار العلمي فإنها اتجهت للابتكار في المصانع وليس المختبرات كما يفعل الغربيون والأمريكيون، وذاك جعلها تقطع أشواطًا جبارة لإنتاج تقنياتها، وركزت على دعم قطاعها التكنولوجي وتحسين إسهاماته في التصنيع، وخرجت للنور ماركات وعلامات تجارية صينية خالصة أثبتت وجودها وقدراتها التنافسية في الأسواق العالمية، مثل الهواتف المحمولة والكمبيوتر، وأشباه الموصلات، والإلكترونيات، وتطبيقات التليفون المحمول، ووسائط التواصل الاجتماعي، ومن بينها "تيك توك" الصداع المزمن حاليًا لأمريكا وشركائها بأوروبا. كل ما سبق كان متوافقًا وملتزمًا بالمقاييس والمعايير الدولية المتعارف عليها والمقبولة من المجتمع الدولي والمستهلكين، بعد أن كان الاتهام الثابت والسهم المصوب باتجاه الصينيين مرتبطًا بحقوق الملكية الفكرية وسرقتها.

وأصبحت الصين في طليعة التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، فضلا عن هيمنتها على معدات الطاقة المتجددة، فالألواح الشمسية الصينية ليست فقط الأرخص في السوق، لكنها الأكثر كفاءة وثقة من جانب المستهلك العالمي، لا سيما وأن هذا القطاع بات يستحوذ على اهتمام فائق وله أولوية على أجندات الحكومات بالقارات الخمس في ظل أزمات الطاقة المستحكمة.

العجيب أنه لم تفلح العقوبات الأمريكية والغربية في إعاقة القفزات التكنولوجية الصينية حتى الآن والتي باتت من الأولويات في ترتيبات وخطط القيادة الصينية، ففي أكتوبر الماضي أعلن الزعيم الصيني "شي جين بينغ"، أمام المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني أن العلم والتكنولوجيا سيكونان على قمة أولويتا الحزب إبان السنوات المقبلة.

إن حظر "تيك توك" بالجهات الحكومية الأمريكية والأوروبية لا يشكل سوى رأس جبل الثلج الذي تختفي غالبيته تحت سطح الماء غير المرئي للعيان، فالصراع على القيادة التكنولوجية والعلمية، ويا لها من معركة حامية الوطيس ومشوقة، ونحن في انتظار الفائز بجولاتها اللاحقة المثيرة والملتهبة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة