Close ad

عن الحضارة.. وتكاتف مصر مع متضرري زلزال فبراير

28-2-2023 | 12:34

سألت إحدى الطالبات عالمة الأنثروبولوجيا (مارغريت ميد) ذات مرة عما تعتبره أول علامة على الحضارة في ثقافة ما؟ توقعت الطالبة أن تتحدث عالمة الأنثروبولوجيا عن الفؤوس أو الأواني الفخارية أو الأحجار، لكن قالت (ميد) إن أول علامة على الحضارة في ثقافة قديمة هي إثبات وجود شخص شفي من كسر في عظم الفخذ.

أوضحت (ميد) أنه في مملكة الحيوان، إذا كسرت ساقك، تموت، لا يمكنك الهروب من الخطر، أو الذهاب إلى النهر لشرب الماء، أو الصيد لطعامك، تصبح لحمًا طازجًا للحيوانات المفترسة، لا ينجو أي حيوان من ساقه المكسورة لفترة كافية لشفاء العظم، إن كسر عظم الفخذ الذي تم شفاؤه دليل على أن شخصًا ما قضى وقتًه في البقاء مع الشخص الذي سقط، وجبره، ووضع الشخص في مكان آمن واعتنى به حتى تعافى، "مساعدة شخص ما في مواجهة الصعوبات هي نقطة انطلاق الحضارة"، الحضارة هي تكاتف المجتمع.

من هذا المنطلق الإنساني الشارح لأهمية الحضارة كركيزة أساسية لتكاتف المجتمعات، نثمن كل من يهتم بتقديم الرعاية لمن يحتاجها بكل السبل الممكنة والمتاحة، وقد يأتي هذا على يد أفراد أو جمعيات أو مراكز خدمية أو كيانات خيرية، فالمجتمع الذي يفتقر إلى التعاطف بين أفراده إزاء ما يعتري البعض من أزمات صحية أو اقتصادية أو إنسانية بشكل عام، تتفكك أواصره، وينفرط عقد المحبة والتواجد والتآخي في جنباته، فتنتشر فيه الميول الإجرامية والقسوة تجد مكانها في القلوب وتنتزع الرحمة، ومن ثم يحدث تدهور في الذات الإنسانية فتعاني الأمراض النفسية والنفسجسدية والعضوية، فحين يسأم القلب يذوي الجسم وتتداعى وظائفه.

وقد تمثل هذا التكاتف المجتمعي المأمول في مساندة الدولة المصرية لسورية وشعبها المنكوب بكارثة الزلزال المدمر الذي ضرب أرضهم الشقيقة في مقتل، وتعالت الاستغاثات التي كادت تمزق قلوبنا إربًا إربًا، ونحن نتابع نشرات الأخبار، ونرى ببؤبؤ أعيننا حجم الدمار الذى طال كل شبر، وأزهق هذا الكم من الأرواح، مأساة إنسانية بكل المقاييس، فهل يعقل أن تقف مصرنا المحروسة مهد حضارات العالم مكتوفة الأيدي، تجلس على مقعد المتفرج من هذا المشهد، المزلزل لأغلظ القلوب وأكثرها قسوة؟!

الإجابة: بطبيعة الحال لا وألف لا! ومصر حين أسرعت لنجدة الأشقاء لم تفعل هذا ابتغاء حصد الثناء، بل هي تلبية محضة لنداء الإنسانية، التي معها نلقي بالخلافات إن وجدت خلف ظهورنا، وها هو وزير خارجيتنا سامح شكري، وقد توجه إلى دمشق لتعميق روابط المؤازرة والمساندة، وسط أجواء غائمة من فقد أليم كتبه المولى - سبحانه وتعالى - على ضحايا هذا الزلزال المدمر، فنجده مؤكد على أن مصر مستعدة لتقديم المزيد لتخفيف معاناة الشعب السوري، حيث قال خلال لقائه بدمشق مع الرئيس السوري بشار الأسد :- "أحمل رسالة تضامن من حكومة وشعب مصر إلى سوريا الشقيقة.. ومستعدون لتقديم المزيد لتخفيف معاناة الشعب السوري الشقيق"، وفقًا لما ذكره السفير أحمد أبوزيد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية عبر حسابه على (تويتر).

كما نقل وزير الخارجية المصري سامح شكري للرئيس بشار الأسد خلال لقائه به رسالة من الرئيس عبدالفتاح السيسي أكد فيها تضامن مصر مع سورية واستعدادها لمواصلة دعم السوريين بمواجهة آثار الزلزال، وأبلغ سيادته تحيات الرئيس السيسي واعتزازه بالعلاقات التاريخية بين سورية ومصر، وحرص القاهرة على تعزيز هذه العلاقات وتطوير التعاون المشترك بين البلدين. 
وبدوره شكر الرئيس الأسد جمهورية مصر العربية لما قدمته من مساعدات لدعم جهود الحكومة السورية في إغاثة المتضررين من الزلزال، وأكّد أنّ سورية حريصة أيضًا على العلاقات التي تربطها مع مصر، مشيرًا إلى أنّه يجب النظر دائمًا إلى العلاقات السورية المصرية من منظور عام وفي إطار السياق الطبيعي والتاريخي لهذه العلاقات. 

واعتبر الرئيس الأسد أنّ العمل لتحسين العلاقات بين الدول العربية بشكل ثنائي هو الأساس لتحسين الوضع العربي بشكل عام. 
ونوّه بأنّ مصر لم تعامل السوريين الذين استقروا فيها خلال مرحلة الحرب على سوريا كلاجئين، بل احتضنهم الشعب المصري في جميع المناطق، ما يؤكد الروابط التي تجمع بين الشعبين، والأصالة التي يمتلكها الشعب المصري. 

وأشار شكري إلى الروابط التي تجمع بين الشعبين السوري والمصري، ولفت إلى أنّ السوريين المقيمين في مصر أظهروا قدرة كبيرة على التأقلم مع المجتمع المصري، وحققوا نجاحًا كبيرًا  في أعمالهم في مختلف المجالات.

كما زار وزير الخارجية المصري سامح شكري مدينة أضنة جنوبي تركيا، بعد زيارته القصيرة إلى العاصمة السورية دمشق، للقيام بالدور نفسه من الإعراب عن استعداد مصر الدائم للوقوف إلى جانب المتضررين من زلزال ٦ فبراير الماضي.

وقد التقى وزير الخارجية المصري نظيره التركي مولود تشاووش أوغلو، حيث من المقرر أن يزور شكري مناطق الزلازل المنكوبة.

مشاعرنا كمصريين تتجه بخالص الدعاء للشعب السوري بل والتركي أيضًا أن يخفف تبعات هذه الكارثة التي أنزلها الله ابتلاء للشعبين الكريمين.

حفظ الله مصر قيادة وشعبًا، وجعلنا مثلًا يحتذى على مر الأزمان من التحضر والرقي، ونبراسًا للإنسانية الحقة، ورمزًا للعطاء الإنساني، النابذ للخلافات وقت الشدائد، حتى نسهم في علو إنسانية العالم الذي بات يفتقر إلى التعاطف والمواساة، والقدوة في أن يكون طوق نجاة للغارقين في هموم وصعاب فوق طاقة البشر، وكل ما قدمته مصر ليس بمستغرب على شعب الـ٧٠٠٠ سنة حضارة.. تحيا مصرنا المحروسة وأدام عزتها وكرامتها!

كلمات البحث