Close ad
21-2-2023 | 18:53

أحدث زلزال تركيا وسوريا المدمر دويًا رهيبًا على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولا تزال أصداؤه مستمرة ومتفاعلة ومتصاعدة، وستتواصل لفترة طويلة، ليس فقط لما خلفه من خسائر بشرية ومادية مروعة ستبقى مشاهدها ومآسيها عالقة في الذاكرة الجماعية للبشرية لحقب قادمة، وتأثر بعض البلدان الواقعة في محيطهما بهزاته الارتدادية المرعبة والمقلقة، وإنما لأن الجميع يبحث بلهفة شديدة وشغف عن إجابة فاصلة وحاسمة لسؤال مؤرق يدور حول سبب حدوثه بهذا الشكل المريع وفائق التدمير، وما إذا كان مقدمة تمهد لفاجعة أكبر وأفدح في نطاقها وآثارها؟

تعددت وتنوعت المساعي والاجتهادات والمسارات للوصول للرد الشافي المقنع، لكن يستوقفك فيها تحبيذ وارتكان الكثيرين غربًا وشرقًا لـ"نظرية المؤامرة"، وأن ما وقع من أهوال وكوارث في تركيا وسوريا كان نتاجًا لأسلحة دمار شامل فتاكة صنعتها وطورتها الولايات المتحدة تحت اسم "هارب"، وتعتمد بالأساس على إحداث خلخلة في التربة الأرضية بوسائل وطرق علمية متطورة بإمكانها التسبب في حدوث زلازل وفيضانات.

ولن نخوض في تفاصيل "هارب" ولا غيره من المشروعات السرية الأمريكية والغربية المماثلة، بل سنركز على استغلال "نظرية المؤامرة" كأداة مؤثرة وحاضرة دائمًا وأبدًا بقوة في كل الأوقات، في الصراعات والمشاحنات الناشبة حاليًا بين القوى الكبرى، والتي تتخذ من شعارات "أنا ومن بعدي الطوفان"، و"الغاية تبرر الوسيلة" و"البادي أظلم"، نبراسًا تهتدي به في كل خطوة تخطوها يمينًا أو يسارًا، ولا تحيد ولا تتنازل عنه.

فلو افترضنا جدلًا من حيث المبدأ أن تحت يد الأمريكيين حقًا مثل هذه النوعية من الأسلحة الجبارة المتخيلة، لما أتعبوا أنفسهم في دروب السياسة ودهاليزها الوعرة والدبلوماسية المكوكية المرهقة، ونشر قوات بمناطق الحروب والنزاعات تكلف خزائنهم - العامرة بالخيرات - من العملات الصعبة أموالًا طائلة، واستسهلوا استخدامها للتخلص من أعدائهم وخصومهم العنيدين والمناكفين، والقضاء عليهم قضاءً مبرمًا ونهائيًا، مثل حركة طالبان، والقاعدة، وتنظيم داعش الإرهابي الذي لا يزال ينبض بالحياة، ويهاجم الأبرياء المغلوبين على أمرهم، وإنهاء الحرب الرسية الأوكرانية، وتركيع روسيا وتحجيمها.. إلخ.

على كل، ومع بديهية ما سلف، فإنها تغيب عن العقول والنفوس الملتاعة والمتأثرة من فقد الأحباب من الآباء والأمهات والأبناء والأقارب والأصدقاء، وهو ما يفتح مساحات وثغرات واسعة للترويج لـ"نظرية المؤامرة" من قبل المهووسين بها من الأفراد عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والأجهزة المعنية بالدول العظمى الساعية للمحافظة على مواطن ومواضع نفوذها وتأثيرها، ولا مانع من توسيعها وزيادتها، إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

فروسيا تتصارع بضراوة مع أمريكا، والأخيرة في نظر موسكو تكيد لها آناء الليل وأطراف النهار، وتتلاعب بنطاقات تعتبرها ضرورية وحساسة لأمنها القومي، وتتحرش بها، وتريد فرض إرادتها وسياساتها ووصايتها عليها، والشواهد شاخصة وظاهرة بالحرب الروسية - الأوكرانية، حيث تحاول واشنطن كسر كبرياء الدب الروسي وإذلاله بإلحاق هزيمة نكراء به، وحينما يخاطب الكرملين الرأي العام الداخلي والخارجي، فإنه يرسخ لفكرة المؤامرة الرامية لتقزيم روسيا وحرمانها من مكانتها المتقدمة بين الكبار، وأن تثبت حضورها وكلمتها دوليًا وإقليميًا.

والتقطت وسائل الإعلام الروسية حديث مؤامرة "هارب" وسلطت أضواءها الكثيفة عليه، للربط بين الدوائر الأمريكية وزلزال تركيا وسوريا، وهو ما وظفته كذلك الصين لحسابات تتعلق بنزاعها المستميت والشامل مع واشنطن التي تصور بكين بوصفها "الشيطان الأعظم"، بعدما ضبطتها تتجسس على أراضيها بمناطيد حلقت في أجواء أمريكا لأيام.

ويتبادل الطرفان الأمريكي والصيني الاتهامات بالتآمر والتدخل في الشئون الداخلية، والأرضية مهيأة ومعبدة لامتصاصها وترويجها بصور مباشرة وغير مباشرة، وما أكثر الوسائل الكفيلة بالقيام بهذه المهمة بفضل التطور التكنولوجي والتقني الكاسح.

خلاصة القول، إنه ليس بالمقدور التأكيد والجزم بـ"نظرية المؤامرة" فيما يخص الزلازل والكوارث الطبيعية، التي تعد حصيلة منطقية في جزء منها للتغيرات المناخية، وأشياء أخرى تراكمت على مدى عقود، والمؤكد أن علاقات الدول متقلبة وتخضع للمصالح المتغيرة من حين لآخر، فلا خصومة دائمة، ولا صداقة دائمة في السياسة الدولية، ولا يمكننا تعليق كل شيء على شماعة المؤامرة، وأن تسبح عقولنا في بحورها الهائجة، وتتقاذفنا أمواجها العاتية الضارة والخبيثة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: