Close ad

الأستاذة.. سناء البيسي

21-2-2023 | 16:23

أسطورة الصحافة المصرية والعربية، صاحبة آخر المدارس الصحفية المحترمة في مصر، هي أهم الكُتاب في العالم العربي، حريفة الكتابة، صاحبة القلم الحر، الأديبة صاحبة أطول وأجمل جملة بين الكُتاب، صاحبة الأسلوب الممتع غير المعهود في السرد، الافتتان بالتفاصيل، لها لغتها الخاصة ومفرداتها الدقيقة، موسوعة حياتية، كريمة المشاعر والوجدان، ملهمة لكل من يقترب منها، الأم الرائعة دائمًا، تكتب بريشة لا مثيل لها، لا تعرف هل كتابتها لوحة رسمت بكل إبداع ووعي وشفافية؟ أم لوحاتها كالكتاب مسطور بحكمة وحنكة الزمن؟

سحر الكتابة لديها مدهش، ليبرالية، ساخرة، ساحرة، حاسمة، حازمة، كتلة من الحنان والذكاء والإدراك، داخلها الأستاذة والباحثة والمدققة والأديبة والفنانة والرسامة وبنت البلد والهانم.. لديها جهاز استشعار لقراءة الأعماق شديد الحساسية، إنسانيتها حاضرة دائمًا، قاموسها الإنساني لا يتعامل مع المعاني الرخيصة، دائمًا كبيرة في كل تصرفاتها، تهتم بالجزئيات الصغيرة والمنمنمات، تكتب كأنها تنسج سجادة أصفهان إيرانية كثيفة العقد، دقيقة الألوان والأحبار والنقوش والتفاصيل، قيمتها تزداد بمرور الوقت، نسج هذا النوع من السجاجيد يتطلب صبرًا كبيرًا وكذلك كتاباتها، تمزج بين خيوط الحرير والصوف وخيوط الذهب بعبقرية الفنان.. هكذا تكتب، تشعر أن بداخلها فنانًا يجيد تقمص الشخصية التي تكتب عنها بعدما تستوعب أبعادها تاريخيًا وفنيًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا.. ترى ما لا يراه الآخرون، تلتقط اللؤلؤ من الأعماق، وأنت تقرأ لها تجد كتابة طازجة، عذبة، مسئولة، رشيقة، لا تكرار، لا ملل، كتابة تأسرك وتجذبك إلى آخر كلمة في المقال، رغم أن المقال يتجاوز الـ٣٠٠٠ كلمة.

قال عنها يوسف إدريس بفخر: "توجد في مصر سناء البيسي"، وقال عنها المؤرخ جمال حمدان: أسلوبها يشبه خيوط التريكو لا تقبل أن تجذب منها غرزة واحدة حتى لا يتبدد البنيان، وكتب صاحب نوبل مصر نجيب محفوظ خطابًا لها: يقول قرأت مقالك ولكن هيهات أن أبلغ ذروة البلاغة التي تتمتعين بها"، وقال الشاعر الكبير فاروق شوشة عن أسلوبها: لحن منفرد له شخصيته وتمايزه وسمته ومذاقه.. وكتب سمير عطا الله: هي ليست أقل شأنًا من الذين تتلمذت على أيديهم، بل تفوقت عليهم ووقفت في مدارسهم خاشعة تعلن إعجابها ووفاءها، والمدرسة التي أنشأتها أكثر صعوبة من مدرسة أنيس منصور، ومصطفى وعلي أمين، في الأسلوب وفي البحث.

بالفعل هي من الصحفيات القلائل اللاتي أُتيحت لهن مواكبة عمالقة الصحافة والأدب على مدار تاريخها، أمثال نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وأحمد بهاء الدين، ومحمد حسنين هيكل، وبنت الشاطئ وآخرين.

الأستاذة بدأت حياتها الصحفية مع عملاقي الصحافة مصطفى وعلي أمين في أخبار اليوم، ثم انتقلت إلى مؤسسة الأهرام لتصنع بصمتها الخاصة جدًا، إلى أن أسست مدرستها الصحفية الجديدة في أوائل التسعينيات، والتي وصلت بها إلى عنان السماء صحفيًا وفنيًا وإعلانيًا وتوزيعًا وإخراجًا لمدة سبعة عشر عامًا.. 

ومن مؤلفاتها الرائعة: هو وهي، امرأة لكل العصور، في الهواء الطلق، مصر يا ولاد، أموت وأفهم، الكلام الساكت، الكلام المباح، سيرة الحبايب، عالم اليقين، دندنة.

في مدرستها الصحفية لا تتعلم الصحافة وفنونها فقط، وإنما تتعلم أن تكون كبيرًا في سلوكك وتعاملاتك وطريقة تفكيرك، تتغاضى عن الصغائر، وتحرص على تقديم الجديد والحقيقي، تبحث في العمق، تتدرب على التنقيب المستمر، تفهم جيدًا الفرق الشاسع بين الكتُاب الحقيقيين، والكتّبة الخائبين الذين مهما طالت أوقاتهم ومناصبهم فهم إلى الدرك الأسفل في التاريخ، تتعلم أيضًا الدأب والعزة واحترام نفسك واحترام القارئ، والحرص على منظومة القيم والمبادئ الإنسانية، لذلك تجد أنه من الطبيعي أن عنوان كتابها الموسوعي الصادر حديثًا "الحرف الشريف"، تستخدم كلمة الحرف الشريف في زمن صعب ذبلت فيه قيمة الشرف وتوارت كثيرًا، سواء في الكتابة أو المعاملات هنا وهناك، وكأنها تدعونا إلى التمسك بالحرف الشريف والموقف الشريف والسلوك الشريف، وأن نعيد الروح لمعنى الشرف في مناحي الحياة.

في هذا السفر تكتب عن الكتابة منذ عهد القدماء المصريين بأسلوبها المتفرد عن كواكب الصحافة والثقافة من طه حسين والعقاد وفكري أباظة وتوفيق الحكيم وهيكل ومصطفى وعلي أمين ومحمد التابعي وجمال حمدان وعبدالرحمن بدوي والشرقاوي وصلاح عبدالصبور وسهير القلماوي ونعمات أحمد فؤاد ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود ورجاء النقاش وخيري شلبي وأحمد بهاء الدين والطيب صالح وأسامة أنور عكاشة وفتحي غانم..

كرمتني أستاذتي الغالية ومنحتني وسامًا عظيمًا، بكلماتها عني في كتابها الموسوعي قائلة في باب شباب القلم: "ولم يكن تغيب قلم الابنة صاحبة القلم الرشيق زينب عبد الرزاق عن العدد الزاخر سوى لتفرغها لكتابة عدة حوارات متفردة سبقت بها العالم مع العالم المصري أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل، ودائمًا كانت زينب من أفضل محاوري الأدباء وأهل الثقافة في مصر لتنشر "نصف الدنيا" أسئلتها النافذة وإجابات الصفوة عليها".

وإذا كان لدينا في الغناء الست أم كلثوم، والست صفية زغلول في العمل الوطني، وفي الإذاعة الست صفية المهندس، وفي السينما الست فاتن حمامة، فلدينا أيضًا الست سناء البيسي في الصحافة.

مهما كتبت عن أستاذتي سناء البيسي، متعها الله بالصحة والعافية، بالفعل لن أوفيها حقها.. فالقلب يحمل لها كل الحب والفخر والامتنان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة