Close ad

البحث العلمي والقَزاز

19-2-2023 | 15:34
الأهرام المسائي نقلاً عن

تشرفت بالمشاركة في مناقشة مشروع تخرج طلبة بكالوريوس إحدى كليات الهندسة عن "السيارات الكهربائية". بأدوات محلية بسيطة استطاع الطلاب صناعة سيارة جولف تُشحن بطاريتها من خلال ألواح طاقة شمسية مثبتة على سطحها العلوي ويمكنها الخدمة داخل المجمعات الخدمية والسكنية في نطاق يصل إلى 500 كيلومتر مربع، بحمولة ستة أشخاص.

عملٌ حاز تقدير لجنة مناقشة ضمت أكاديميين وصناعيين.

في إطار التعقيبات، صال وجال أحد الأساتذة الأجلاء مفتتحًا هويس تعليقاته بقائمة ملاحظات طويلة عن تنسيق الفقرات ومقاسات الخط المستخدم وغير ذلك مما يُعد أمورًا شكليه لا تؤثر في مضمون العمل، ثم عرج إلى لُب الفكرة فأنب ولام حتى ارتوى وتجشأ عتابًا متعجبًا كيف فاتهم عدم اقتراح وضع نقاط شحن في الجراجات أسفل المباني.

لم يدخر أستاذنا جهدًا في أهمية هذه الملاحظة، أطنب وأسهب، والكل منتظر - لجنة المناقشة والطلاب - على مضض حتى حانت منه وقفة قصيرة لالتقاط الأنفاس وتناول جرعة ماء يستأنف بعدها رشاش ملاحظاته، عندما التقط أحد الطلاب مُسرعًا خيط الرد وألقي بسؤال بدا مباغتًا للحضور، بما فيهم أستاذنا الجليل، "وأين هي الجراجات أسفل العمائر.. تحولت كلها إلى مخازن ومعارض".

وبغض النظر عن تلك التعقيبات العرجاء التي ألقى بها البعض، فقد كشف السؤال عن الهوة العميقة الفاصلة بين البحث العلمي وقضايا الواقع بتشابكاته المعقدة والحلول وخيالها الجامح.

يدخل الباحث معمله فإذا هو دودة قز دؤوبة لا تكل ولا تمل عن العمل، تنسج خيطها الحريري اللامع الشفاف فإذا هو أول الأمر غلالة تشف ما حولها، شيئًا فشيئًا تزيد كثافة الخيط حتى يصبح جدارًا يفصلها عما حولها، فتنتقل من حال إلى حال؛ من دودة قز إلى يرقة، ثم فراشة تُنكر وحدتها وما حولها من جُدُر نُسجت بذلك الخيط الحريري الجميل اللامع الغالي الثمن فتخترقه إلى فضاءات الحرية.

أخذني سؤال الأستاذ وتعقيب الطالب إلى هذه المقاربة، انغمس الأستاذ في معمله حتى نسي ما حوله من عالم يضج بتحديات متنوعة، يخرج ويدخل وهو مشغول ببحثه، يسجل ملاحظاته ويُمحص استنتاجاته وقلما نجد شيئًا من هذا أو ذاك يعود مردوده المباشر على أحد قضايانا الملحة من غذاء ومياه وطاقة وصناعة وزراعة وغيرها. حتى إذا ما انتهى عالـِمُنا من عمله واطمأن إلى استيفائه أركان البحث العلمي وضعه أمام أعين المحكمين، فيفحصونه ويدققونه ثم يصدرون قرارهم الأخير، فيتحول البحث إلى عدة أوراق في مطبوعة قلما يلتفت إليها أحد، أوراق تُرقي الفرد وظيفيًا ولا تُرقي المجتمع عِلميًا. أبحاث تضع حلولاً شبه مثالية لعالم افتراضي لا يربطه رابط بذلك المجتمع المهموم بقضايا ابتكار وصناعة حبة دواء، ورغيف خبز، وحفنة قمح، وترس في مصنع. 

رأيت في عمل الباحث الأكاديمي المعزول المفصول عن عالمه تشابهًا مع بعض صنيع دودة القز، إذ تظهر مهارة فائقة في هندسة شرنقتها وصبغها بألوان تأخذ بالألباب وهي في معزل بما يقع في محيطها من أحداث ولا ما يشغل الناس من مشاغل، وهنا يأتي دور القزاز (العامل في رعاية دود القز) فينقذها من نفسها ويغير مسارها قبل أن تنقُضَ غزلها من بعد قوة، فيحول خيطها إلى حرير عالي القيمة والمكانة يتباهى به كل من يرتديه.

لكم تحتاج معامل أبحاثنا إلى ذلك القزاز القادر على ربط البحث العلمي بتحديات الوطن وتحويل دفته ليصبح منتجًا تجاريًا ذا قيمة فيرتقي الأستاذ وظيفيًا ويرتقي المجتمع خدميًا، حتى وإن كانت سيارة كهربائية بسيطة صُنعت محليًا.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: