Close ad
15-2-2023 | 15:07

الكثيرون لا يهتمون بعالم السياسة المزعج، فهي تملأ الأخبار والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأكيد أن الغالبية يهتمون بكواليس السياسة وحكاياتها الداخلية، وما يحدث خلف الأبواب، وهو بالضبط ما يتحدث عنه مسلسل “بيت من ورق” أو HOUSE OF CARDS 

وعلى الرغم من أنه مسلسل عرض على منصة نتفليكس منذ سنوات، فإنه عمل فني سياسي جريء يستحق المشاهدة، وهو أول مسلسل يعرض على شبكة الإنترنت ويفوز بجائزتي Emmy وجولدن جلوب، ويعتبر هذا المسلسل من أنجح الأعمال التي قدمتها المنصة، يدور المسلسل عن أحد أهم العناصر في السياسة الأمريكية وهو البراجماتية، أو فلسفة الذرائع، هذا المذهب السياسي الذي نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الـ ١٩، وغزى القارات الخمس: ويعتمد على أن كل شيء في السياسة يجوز!، حيث لا محرمات ولا قواعد تمنع اللعب، تكمن الفكرة التي يعرضها المسلسل، في أن السياسيين الأمريكيين يفعلون ذلك تحت شعار المصلحة العامة!! في هذا السياق، تصبح كل الأدوات متاحة وسهلة: الضرب تحت الحزام، خداع الخصوم، الانتهازية، الشر العملاق، الاستعانة بالمرتزقة، تلفيق التهم، ربط التصويت بالمشاريع العامة بالمصالح السياسية، العلاقات المحرمة، وحتى القتل، المسلسل يعرض على ستة أجزاء، ويمر بالكثير من المواقف التي تحاكي هذه القاعدة الرئيسية، والتي يندرج تحتها العديد من الألاعيب المشينة.

المسلسل يبدأ بمشهد يحمل مفاتيح العمل، البطل ينحني نحو كلب صدمته سيارة، يقول وهو ممسك به وينظر إلى الكاميرا: "هناك نوعان من الألم، واستطرد: "ألمٌ يجعلك أقوى، أو ألم عديم الفائدة، هذا النوع الذي يجعلك تعاني وحسب، لا أطيق صبرًا على الأشياء عديمة الفائدة، تتطلب هذه اللحظات شخصًا يمكنه التصرف، يمكنه فعل الشيء البغيض، الشيء الضروري" ثم يكسر عنق الكلب بدم بارد!! ويقول: الآن لم يعد هناك ألم، هذا المشهد الصادم يُعرف المشاهد مدى قسوة الشخصية، وأن كل شيء ممكن للحصول على ما يريد، هذا البطل تدور أحداث المسلسل حوله، هو زعيم الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي الذي يتم تجاهل تنصيبه وزيرًا للخارجية، ومن ثم يبدأ رحلته الطموح في دهاليز عالم السياسة الأمريكية لتعويض خسارته في الحصول على المنصب والوصول إلى أعلى درجات سلم المناصب السياسية باستخدام كل الوسائل غير المشروعة بالتعاون مع زوجته، هو قاتل ومدلس ولديه قدرة غير مسبوقة على الابتزاز السياسي الذي يوجه دائمًا للقضاء على خصومه، ولكنه لا يتخلى أبدًا عن قناع الوداعة والهدوء.

صُنَاع العمل على معرفة دقيقة بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وعلي دراية بكواليس البيت الأبيض وأدق تفاصيله، لدرجة أن المشاهد يشعر أن الهدف الرئيسي من العمل هو الكشف عن هذه السياسات البعيدة تماما عن تطبيق الديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان..، المسلسل يكشف أن هذه الشعارات ما هي إلا ادعاءات!! يحدث كل شيء تحت شعار تحقيق المصلحة العامة! الديكور أيضا بطل آخر في المسلسل فهو يحاكي البيت الأبيض تماما كأن العمل تم تصويره هناك.

 في تصريحات سابقة جريئة، أشار كل من الرئيسين السابقين للولايات المتحدة الأمريكية بشكل جاد إلى اهتمامهما ومتابعتهما للمسلسل في حينه!! فعندما سُئل "بيل كلينتون" عن نسبة الحقيقة فيما يحدث من أحداث المسلسل فعليًا داخل البيت الأبيض؟ كان رده أن 99 % من أحداث المسلسل حقيقية! وهو نفس ما حدث مع الرئيس باراك أوباما، أيضا صرحت هيلاري كلينتون أن شخصية الرئيس الروسي في المسلسل هي بالضبط شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين!!  وأن معظم المواقف والتفاصيل التي تتعلق بعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية بروسيا هي تفاصيل تقترب بشكل كبير مما يحدث في الواقع، وأكدت أيضا دقة التفاصيل الخاصة بماراثون الانتخابات الأمريكية!!

 إحدى رسائل المسلسل القوية "بيت من ورق" هو كذبة حرية الصحافة!! المسلسل يتعرض للعلاقة الشائكة بين الصحافة ودوائر صنع القرار السياسي، فالصحافة تتبع دائمًا التيارات السياسية التي يمثلها الحزبان، وللأسف يظهر الصحفيون المرموقون وهم تبع للقيادات في هذين الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري، بالطبع، يتضمن الأمر الحصول على السبق الصحفي والتواجد داخل أماكن صنع القرار الأمريكي في البيت الأبيض أو وزارتي الخارجية والدفاع، ومن يخل بقواعد اللعبة إما يفقد عمله، أو يدخل السجن أو يفقد حياته!! 

يعرض المسلسل كيف أن استخدام الصحفيين في المعارك أمر عادي!! وهو ما يسمى تأدبًا “سبقًا صحفيًا”، وسيلة للترقي في الصحف ووسائل الإعلام، أما عن الصحفيات فيتحدث المسلسل صراحة عن كيف يمكن للعلاقات المشبوهة أن تكون وسيلة لترقيتهن في عملهن، ومن تقوم بعملها بشكل عادي تبقى في الظل في أفضل الأوضاع!! لكن عمومًا تلعب الصحافة والإعلام دورًا مهمًا في عالم السياسة هناك!!

هذا العمل الدرامي الذي يعرض في سبعين حلقة، عمل فني يستحق المشاهدة، السيناريو والأداء والإخراج والديكور والموسيقى التصويرية، الدقة الفنية تجبرك على المشاهدة رغم قسوة الرسالة والمضمون!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة