Close ad

رحلة على جسر الذهب

15-2-2023 | 11:55

علاقة تلمذة وصداقة ربطتني بالراحل الكبير امتدت لنحو30 عامًا.. أجد كلمات الرثاء تتفتت وتتناثر وتذروها نسائم الذكريات حينما أفكر كيف تنقضي الأيام فتقضي على الحروف والأسطر والكلمات، كما تقضي على قائليها من فرسان الكلمة والرأي، ما أقساها حين كتبَت كلمة النهاية للراحل مرسي عطاالله فانتهت رحلة ومسيرة حافلة بالعطاء، ورست السفينة أخيرًا على شاطئ المنتهى.

في ضباب الذاكرة مشهد لصديقي أحمد العرابي - أحد الذين تخرجوا من مدرسة "مرسي عطاالله الصحفية" - يلفت انتباهي كيف أن الراحل الكبير يجيد تحصين عواطفه بوعي لافت بسياج الحكمة، ثم يفاجئك بعبارات قصيرة بليغة يصوِّر فيها أشد الأحداث تعقيدًا بأقل الكلمات، فكيف تراني أصفه وأرثيه في كلمات بليغة ككلماته؟

وأنا بصدد وصف مسيرته الطويلة المثمرة لا أجد خيرًا من عنوان هذا المقال؛ إذ كانت رحلة "الأستاذ" كجسرٍ ذهبي قصير على امتداده، رحبٍ على تزاحمه، وهاجٍ على تواضعه، كأن مُنشئه وبانيه أراد أن يصل الماضي بالحاضر، ويصل الأصيل بالمعاصر، والفكرة بالفكرة، والجيل القديم بالأجيال التالية.

كانت تلك مهمته وهمومه ورسالته منذ الستينيات؛ حيث بدأ قلمه يسطر ملحمة القومية العربية على لسان عبدالناصر، أراد للعروبة أن تصير يومًا مشروعًا إنسانيًا يتجاوز الخلافات ويتصل بالحداثة والعولمة والفكر الإنساني الرفيع.

إن لكل نهر ضفتين لا تلتقيان، فإذا بالجسر يجعل الصعب أمرًا ممكنًا وميسورًا، هكذا كان مرسي عطاالله جسرًا بين جيل هيكل وعلي حمدي الجمال، وبين جيل أسامة سرايا وأحمد موسي وحمدي رزق وياسر رزق وكثيرين غيرهم. 

كانت الرحلة فوق جسر الذهب مع ساحر الكلمة رحلة ممتعة بنوادر وحكايات وطرائف لا يسرد الواحدة منها إلا لكي يضيف لعلمك علمًا، ولخبراتك خبرة، ولتجربتك تجارب، كم كانت رحلته غنية بالأفكار والتحليلات العميقة، المخالفة أحيانًا كثيرة لما هو رائج من الأفكار وسائد من التحليلات، ولكن انسجامها الدائم وانحيازها الثابت كان للوطن.

رسم مرسي عطاالله مسيرته عابرًا نحو مستقبله مخترقًا الأمواج والعواصف والتحولات، فالحاضر مستنقع تختنق فيه النفوس، وسجن تتعذب بين قضبانه العقول، وقيدٌ تتلوى خلف أسواره العاطفة، لهذا كان يعدو ويعاني ويكدح بلا كلل، بينما تلهث وأنت تلاحقه، وتتعب محاولًا مجاراته، وفي نهاية المشوار تسترد أنفاسك لتكتشف أنك مرتاح الضمير منفتح الذهن لمجرد أنك تسير إلى جوار تلك القامة الشامخة في دنيا الصحافة والتاريخ السليم، والالتزام الأمين، والصدق الذي طالما عددته أبُ الفضائل.

يزداد المرء شعورًا بألم الفراق حين يدرك كم سنفتقد قلمًا كقلمه. وجسرًا كجسره الذهبي يصل العربي بالعربي، ويصالح الإنسان على الإنسان، ويؤاخي بين المسلم والمسيحي، وينبذ الفُرقة مهما كانت أسبابها، والتشرذم مهما كانت دوافعه، والتفكك مهما كانت مبرراته.

لقد جاء مولد الكاتب الكبير مرسي عطاالله عام 1943 في قرية الجميزة بوسط الدلتا بمركز السنطة بمحافظة الغربية، ونشأ بمنزل أبيه إسماعيل عطاالله، المنزل الذي كان يباهي به، ويراوده الحنين إليه وإلى قاعته المتسعة وإلى صوامع الغلال الصغيرة التي كان يختبئ فيها طفلًا يعيش أحلام البراءة وتراوده طموحات الغد المخبوء.

كان والده موظفًا بديوان وزارة الزراعة والحاجة وفيقة السيد غزالة هما أهم ما امتلك الرجل، أدركا من البداية أهمية الاستثمار في تعليم أبنائهما، وكانت نقطة التحول الفارقة في حياة الأسرة حين انتقل الوالد إلى ديوان وزارة الزارعة بالجيزة، ونقل إثر ذلك إقامة الأسرة إلى حي الدقي بالقرب من ميدان الجيزة، ليلتحق مع شقيقه الأكبر بالمدرسة السعيدية الثانوية بجوار جامعة القاهرة، أثمرت جهود الوالدين، وجنيا ما حصدا بأولادهما: الأكبر عطاالله الذي توفي وهو وزير مفوض بوزارة الخارجية، ومرسي رئيسًا لمجلس إدارة الأهرام، وحسني الأستاذ الجامعي بإحدى الجامعات الفرنسية، وسناء سفيرة بوزارة الخارجية وعفاف سيدة أعمال.

المشوار مع مرسي عطاالله بعد السعيدية الثانوية لم يكن سهلًا، لكن طموحاته ازدادت اتساعًا بعد تخرجه من كلية الزراعة جامعة القاهرة، في وقت كانت فيه هذه الكلية هي صانعة النجوم في جميع المجالات، حيث كان من أعز أصدقائه الفنانان: عادل إمام وصلاح السعدني.

ما بين حرب أكتوبر 73 وحرب تحرير الكويت 91، كان مستقبل مرسي عطاالله يتخذ منحى آخر ويسير في اتجاه الصعود، فقد التحق مرسي عطاالله بالقوات المسلحة عقب النكسة، وكان شاهدًا على مستقبل جديد تسطره دماء الشهداء.. من هناك، بدأ طريقه يرتسم وتتضح معالمه: التحق بمكتب المتحدث العسكري الرسمي، وحين انتهت الحرب انضم لمؤسسة الأهرام، وفي أعقاب احتلال العراق الكويت لمع اسمه بقوة ليقود رحلة تكوين وقيادة ونجاح (الأهرام المسائي).

كانت فكرة «الأهرام المسائي» قد ظهرت فتجلت قدرة مرسي عطاالله كإداري صارم، وصحفي مهني ليقود مجموعة من شباب الصحفيين النابهين، ويصدر الجريدة المسائية بشكل يومي في وقت قياسي، ولم تتجاوز فترة الإعداد لذلك بضعة أيام تعد على أصابع اليد الواحدة، وفي وقت قياسي أيضًا تحولت الأهرام المسائي إلي واحدة من أهم الصحف توزيعًا، خاصة بعد انتهاء حرب الخليج، ووضع مرسي عطاالله من خلالها مهاراته في الصحافة الرياضية ليجعلها من أهم الصحف لدى جمهور الرياضة، إلى جانب أهميتها للقارئ المتابع الذي يحرص على متابعة ما لم تلحق به الصحف الصباحية.

رحم الله فارس الكلمة.. وصانع جسور الفكر والتواصل الإنساني الراقي، رحم الله الصديق والأستاذ مرسي عطاالله.

[email protected]                      

كلمات البحث