Close ad

معوقات التنمية المستدامة عالميًا ومحليًا

12-2-2023 | 14:30
التنمية المستدامة كفلسفة حياة تواجه العديد من المعوقات على كافة المستويات، بعضها عامة منتشرة في معظم دول العالم تقريبًا، وبعضها محلية تنتشر أكثر في وطننا العربي بوجه عام.


 


والمعوقات بوجه عام طبيعي أن تختلف نسبيًا من مكان لآخر، وإذا بدأنا بالمعوقات العالمية؛ فسنجد أهمها صراع المصالح الاقتصادية والسياسية بين الدول الصناعية الكبرى لتحقيق أكبر ربح اقتصادي سريع، بغض النظر عن أضرار ذلك على البشرية والكون.


 


والأخطر أن الجميع يعلم أن هذا المكسب لن يستمر طويلا، وأن هناك الطاقة البديلة الآمنة للجميع، ولكنها قد تكون اليوم أعلى سعرًا بهامش بسيط، وبالطبع هناك صراع حول التصدير لدول العالم الثالث؛ لتحقيق أكبر مكسب سريع يحقق مكاسب محلية أو حزبية للاستمرار في الحكم وكسب المؤيدين؛ ولذلك تتهرب الدول الكبرى من الالتزام بصفر كربون وفقًا لموعد قريب أو محدد رغم وجود البدائل، وإن كانت هذه البدائل مرتفعة السعر الآن، ولكن قريبًا ومع التوسع في استخدامها سوف تكون اقتصادية، هذا فضلا عن الجدوى الصحية، والحد من التلوث وآثاره الصحية والكونية الخطيرة؛ ولذلك نجد الهيئات الدولية المسئولة عن البيئة وتغير المناخ ليس لها سلطة قوية لكي تلزم أي دولة؛ مما يعني عدم وجود جهة دولية قوية قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة لعقاب الملوث عكس الحال في مجال التجارة؛ مثل منظمة الجات أو غيرها.


 


ومن هنا فإن تضارب المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل والصراع الدولي تمثل أهم معوقات تطبيق التنمية المستدامة على أرض الواقع رغم أن منظمة الجات لو أرادت يمكنها تنفيذ قانون الملوث هو الذي يدفع الثمن من خلال فرض ضرائب على أي تجارة ملوثة توجه حصيلتها لمواجهة مشكلة تغير المناخ؛ مما يساعد على نشر وزيادة الطلب على المنتجات والطاقة الخضراء وينخفض ثمنها، وبعد ذلك تعاني كثير من المجتمعات العربية - ومنها مصر - من معوقات أخرى إضافية قد تزيد نسبيًا في بعض المجتمعات العربية عن الأخرى، ولكنها للأسف معظمها ترتبط بعادات وتقاليد عربية، ومعظمها غير موجود بنفس الدرجة والحجم في بقية دول العالم بوجه عام، ومن هذه المشكلات الاستهلاك الترفي والإسراف بوجه عام، وقد يفسرها البعض بالكرم، ولكن هناك فرق بين الكرم والمبالغة في الكرم؛ مما يؤدي للإسراف والتبذير، وهذا نهي عنه القرآن الكريم قال تعالى: (… وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31) وقال تعالى: (﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، وهناك كثير من مظاهر الإسراف في كثير من عادتنا بداية من الطعام والعزومات واستخدامات الموبايل والماء والكهرباء… وغيرها.


 


وهنا نتذكر عزومة حضرها رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ)، وصاحباه أبوبكر وعمر (رضي الله عنهما)، قالَ رَسولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ) لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ…)، وكثير منا يبالغ في كميات الطعام، وخاصة في العزائم والمواسم، وللأسف بعض الطعام يفسد بسبب المبالغة، ويمتد الإسراف إلى الأزياء والبارفانات والمبالغة في استخدام الموبايل.


 


كل ما سبق وغيره يمثل إسرافًا وتبذيرًا ليس له داعٍ؛ مما ينعكس على ضعف الادخار بوجه عام، وهذا معوق آخر للتنمية، ومرتبط بثقافة المجتمع وبعض الأفكار الخاطئة؛ مثل اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، والتنمية تعني إشباع الحاجات الأساسية للأجيال الحالية لتوفير الاحتياجات الأساسية للأجيال المقبلة؛ مما يتطلب ترشيد الاستهلاك والبعد عن الإسراف؛ مما يؤدي للادخار، ومن ثم الاستثمار لصالح الأجيال الحالية والقادمة.


 


والاستهلاك الترفي يعني ضعف أو غياب الادخار؛ مما ينعكس سلبيًا على الاستثمار فهي حلقات مترابطة ببعضها، كما تحولت الأسرة والمجتمع بوجه عام - وخاصة الريفي - من نمط المساهمة في الإنتاج إلى نمط الاستهلاك؛ حيث أصبح الاعتماد على الوجبات الجاهزة ظاهرة معاصرة، وليس فقط في الحضر؛ بل امتد لقطاعات كثيرة من الريف؛ حيث كانت الأسرة تنتج الخبز والطيور واللحوم وكل احتياجاتها؛ بل كانت هناك قطاعات كبيرة من الحضر تربي الطيور، وتعد كل مستلزمات الطعام وعمل المفارش والتريكو والملابس أو بعضها.


 


ثم تنتشر أيضًا في مجتمعنا مشكلة عدم الاهتمام بالوقت؛ لأن الوقت أهم من المال، وسوف يُسأل الإنسان يوم القيامة عن هذا؛ فالوقت يمكن استثماره في التعلم والتعليم والعمل وكسب المال وأعمال الخير والبر، لكن للأسف الكثير لا يهتم بالوقت أو تحديد المواعيد والالتزام بها، وبالتالي فهو إضاعة للطاقة الإنسانية وإضاعة لعمل الخير والمال والعمر، ثم هناك مشكلة نظرة البعض للعمل اليدوي والحرفي نظرة دونية والتنمية عملية متكاملة ولا تنمية بدون عمل فريقي لكل التخصصات ومنها العمل الحرفي وللأسف أصبح هناك ندرة في هذه النوعية من العمالة الماهرة، وعلى سبيل المثال لماذا المنتج الألماني أو الياباني المصنع داخليًا أغلى كثيرًا من نفس المنتج المصنع خارج ألمانيا أو اليابان، والإجابة لجودة عمل العامل الألماني أو الياباني فهو عنصر أساسي لنجاح المنتج، وإذا غاب سقطت المنظومة كلها أو تراجعت وضعفت.


 


ويبقى أخيرًا من المعوقات المهمة الفهم الخاطئ للتعاليم الدينية وخلطها بالسياسة، وهذا ينبع من انتشار الجهل وضعف الثقافة العامة؛ مما يؤدي بأن تقوم القوى المعادية باستغلال ذلك وبث الفتنة والصراعات الداخلية والطائفية التي تتحول في كثير من البلدان إلى حرب أهلية تهدم كل شيء، ويبقي في النهاية التعليم الجيد ونشر الثقافة الشاملة وسيلة أساسية لمواجهة كل هذه المعوقات والله ولي التوفيق.

كلمات البحث
الأكثر قراءة