Close ad

ركائز التنمية المستدامة

5-2-2023 | 13:22

ترجع بدايات الحديث المعاصر عن التنمية المستدامة إلى مؤتمر استوكهولم عام 1972 من خلال اللجنة الدولية للتنمية والبيئة ثم جاءت وثيقة مستقبلنا المشترك عام 1987، ثم نظمت الأمم المتحدة مؤتمرًا عام 1992 عن التنمية المستدامة، وهي ترتكز إلى عدة ركائز إنسانية واجتماعية في المقام الأول؛ وهي مترابطة الحلقات ببعضها البعض، وكل منها يؤثر ويرتبط بالأخرى، ومن هذه الركائز الآتي: 

وحدة المصير والمستقبل الإنساني المشترك والمسئولية الجماعية؛ بمعنى أن البشرية كلها في سفينة واحدة، قد تكون متعددة الطوابق والطبقات والملكات والإمكانات، ولكن البشرية كلها في سفينة واحدة، وأي خلل أو ثقب يحدث في السفينة ستنعكس خطورته على الجميع، وهذا يذكرنا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام (مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا)، والحديث يعني إذا كان هناك البعض يتصور أن له مطلق الحرية في أن يفعل ما يشاء في الكون، فهذا سوف يؤدي لغرق الجميع؛ لأن المصير والمستقبل مشترك للجميع.

وذلك لأن التلوث والأخطار البيئية لا يعترفان بالحدود؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما حدث انفجار مفاعل تشيرنوبيل، امتد لعدة قارات، والتلوث الذي أدى للتغيرات المناخية في الدول الصناعية الكبرى أثر سلبيًا على الكرة الأرضية كلها، وهذا هو جوهر فلسفة وأساس التنمية المستدامة، ومن هنا أهمية أن يعمل جميع سكان الأرض يدًا واحدة للنجاة، وغدًا أفضل.

وهذا ينقلنا إلى الركيزة الثانية، وهي النظرة المستقبلية بعيدة المدى والاستدامة؛ بمعنى أن أي قرار يتخذ في أي بعد اقتصادي أو اجتماعي وخلافه يجب أن يكون له مردود إيجابي اليوم وغدًا، والنظرة المستقبلية تستلزم جانبين؛ الأول الحفاظ على البيئة ومواردها وعدم استنزافها؛ أي في حدود قدرة الموارد على التجدد والاستمرارية، وهذا يرتبط بضرورة ترشيد الاستهلاك لضروريات الحاضر للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة، ويرتبط أيضًا بإشباع الاحتياجات الأساسية للفقراء؛ لأن الفقر خطر كبير على البيئة، وخطر على الأمن الاجتماعي وكل شيء وهنا نتذكر (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يقولُ اللهمَّ إني أعوذُ بك من الكفرِ والفقرِ وعذابِ القبرِ)، فالفقير يلوث البيئة ويهدد الأمن والأمان.

وهذا يرتبط بالركيزة الثالثة؛ وهي العدالة الاجتماعية والبيئية؛ لأنها الوسيلة الأساسية للقضاء على الفقر وضمان التوزيع العادل للموارد للأجيال الحالية والقادمة داخل كل وطن، وتمتد للعدالة البيئة بمفهومها الشامل بين كافة دول العالم، وهذا ما يفتقده العالم الآن لحل مشكلة المناخ؛ حيث إن الدول الصناعية الكبرى تنتج نحو ثلثي الملوثات المسببة لمشكلة المناخ وتتهرب من الالتزام بدفع تعويضاتها لحل المشكلة، وتقف ضد مصلحة الأغلبية والجميع من أجل مكاسب مادية قصيرة الأجل ولن تستمر.

وهذا يرتبط بالركيزة الرابعة؛ وهي تفعيل الديمقراطية الحقيقة؛ سواء على مستوى العالم أو داخل كل الدول فالديمقراطية تعني العمل لمصلحة الأغلبية، والتنمية المستدامة لها نفس الهدف؛ بمعنى ان تدار الهيئات الدولية وفقًا لمصلحة الأغلبية، وتكون قراراتها ملزمة لصالح الأغلبية أو البشرية جميعًا، وليس لمصلحة الدول الكبرى أو رجال الصناعة والأعمال الذين يبغون المكسب السريع رغم الإضرار بالأغلبية؛ بل وللبشرية جمعاء، وهذا ينطبق على الأوطان والعالم بأسره، وخاصة منظمة الأمم المتحدة والعدل الدولية ومنظمة التجارة العالمية، فيجب أن يكون لهم قرارات قوية وملزمة لمصلحة البشرية جمعاء؛ للوقوف ضد أطماع القوى الصناعية، وتطبيق مبدأ الملوث هو الذي يدفع ثمن تلوثه، فقمة الحضارة تتمثل في أسلوب حياة ديمقراطية لمصلحة جميع البشر، وتوافق وانسجام مع الطبيعة؛ لأن كل ما يضر الطبيعة يؤذي الإنسان، وأيضًا ولكي تتحقق الديمقراطية الحقيقة لابد من مشاركة شعبية على كل المستويات.

وهذه هي الركيزة الخامسة؛ لأنه ليس هناك ديمقراطية حقيقية بدون مشاركة شعبية واسعة لأن الديمقراطية تعني مصلحة الأغلبية؛ ولذلك لو غابت المشاركة الشعبية الكاملة غابت الديمقراطية، وسيطر أصحاب المصالح المادية على القرارات والسياسات؛ نتيجة غياب مشاركة الأغلبية وأصحاب المصلحة الحقيقية في تنمية مستدامة توفر لهم بيئة صالحة وحياة آمنة، وخاصة أن أي حكومة في العالم لن تستطيع النجاح والاستمرار في تحقيق التنمية المستدامة وحماية البيئة؛ بدون مشاركة شعبية واسعة للعمل والرقابة والمتابعة لخطوات التنمية المستدامة، بجانب المشاركة الفعالة في صنع قرارات حماية البيئة من التلوث، وتفعيل مبدأ الملوث هو الذي يدفع الثمن.. وغيرها من تشريعات بيئية ضرورية لتفعيل التنمية المستدامة، وكل الركائز السابقة تعتمد على وجود قيم إنسانية واجتماعية شاملة تقوم عليها؛ لأن القيم ببساطة هي حكم عقلي يوجه الإنسان للاختيار بين عدة بدائل متاحة، وهي تتكون نتيجة الخبرات الاجتماعية المكتسبة من الأسرة والأجداد والعادات والتقاليد، والعرف والمدرسة والإعلام، وكافة وسائل التنشئة الاجتماعية المحتفلة، وبالتالي هي المؤثرة في كل ما سبق من مشاركة شعبية أو ديمقراطية أو عدالة أو نظرة مستقبلية كلها تعتمد على قيم إنسانية ترجع جذورها لتراث المجتمع؛ ولذلك فالمجتمع هو الأساس وهو الأمل في تحقيق تنمية مستدامة للوطن والعالم، والآن الآمال على الحركات الشعبية والمجتمعية في الدول الكبرى للضغط على متخذي القرارات في الدول الصناعية، وأحزاب الخضر للالتزام بمواجهة مشكلات المناخ، والحد من التلوث وتعويض الدول المتضررة من المشكلة، فالمجتمع مصدر المشكلة ومنبع الحلول.

والله ولي التوفيق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: