Close ad

في ضيافة معرض القاهرة للكتاب

4-2-2023 | 10:00

متعة ما بعدها ولا مثلها متعة.. أن تترك كل ما وراءك وما يشغل ذهنك وبدنك وتأتى إلى هذه الرحاب المفعمة بالمعارف.. تتمنى لو أنك من أرباب المال والأعمال وأن جيبك يفيض بما تستطيع أن تنفقه لتشترى ما طاب لك من كتب في شتى ألوان العلوم والآداب. تتخطفك العناوين والأغلفة البراقة هنا وهناك وتتمنى أن يتسع لك العمر والوقت لتقرأ تلك الألوف المؤلفة من الكتب التي تضم خلاصة ما اعتصرته القرائح والعقول.
 
هذا هو معرض الكتاب في دورته الرابعة والخمسين، انتظرته كما كان ينتظره المصريون والعرب أجمعين انتظار عشاق أسهدهم الاشتياق. 

بلا أدنى مبالغة أؤكد أن احتفالية معرض القاهرة الدولى للكتاب لا تشبه أي مهرجان آخر لا في مصر ولا في الشرق الأوسط كله؛ معرض عتيق قديم تاريخى الامتداد واسع التأثير حتى في حالات وهنه وضعفه.

تراث عريق وتاريخ مشرف
 
أقدم معرض للكتاب في المنطقة أقامته مصر منذ عام 1969 عندما كانت القاهرة تحتفل بألفيتها فقرر وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة أن يقيم أول معرض للكتاب، وعهد للكاتبة سهير القلماوى بتلك المهمة. وهو الأمر الذى يحمل في طياته شجونًا بين ثنايا الفخر والفرحة؛ إذ كيف وقد مرَّ على أول معرض للكتاب فوق نصف قرن ولم يفكر وزير ثقافة واحد قبل الدكتورة نفين الكيلاني أن يضيف على أنشطة المعرض وإمكانياته قلامة ظفر؟! 

فالمعرض هذا العام يضم فعاليات ثقافية وفكرية متنوعة تدل على أن المسئولين عنه لديهم اهتمام حقيقي بمثل هذا الحدث العالمى الذى لا يضارعه دولياً إلا معرض فرانكفورت الدولى . أنت تتحدث عن معرض تراثى ثقافى عتيق يشارك فيه سائر الناشرين المصريين والعرب ويرتاده سنوياً ما يربو عن أربعة ملايين زائر!
 
أنت اليوم في عصر تجاوز عصر الفضاء والليزر والذرة إلى عصر الفيمتو ثانية والثورة السيبرانية والكتاب المسموع والمحمول والمرئى. فأين المعرض من استغلال واعتصار الفرصة لتوسيع مجالات المعرض وفضاءاته؟ وباستطاعة وزيرة الثقافة الآن أن تتخذ قراراً بسيطاً بتوسعة مدى المعرض زمنياً أو مكانياً على الأقل بالنسبة للناشرين المصريين، وربما في محافظات أخرى. أو أن يتسع مداه إليكترونياً ليشمل أنشطة متشعبة على السوشيال ميديا وفى مختلف المواقع الثقافية ليستوعب شرائح كثيرة أخرى كانت تتمنى الحضور للمعرض ولم تسعفها ظروف المكان أو الوقت؛ إذن لتضاعف عدد المستفيدين من المعرض ليزيد على عشرين أو أربعين مليونًا سنوياً وربما أكثر..

لو أنك اطلعت على عناوين الأغلفة الأكثر مبيعاً في دورة معرض الكتاب المنصرمة ستكتشف أمرين عجيبين.. أولهما أن نبوءة نجيب محفوظ القديمة أننا مقبلون على عصر الرواية قد تحققت بحذافيرها؛ فها هي الرواية تحقق أعلى المبيعات في السنة الخامسة على التوالي؛ لدرجة أن هناك دور نشر كاملة لم يعد لها من هَمّ سوى اكتشاف أدباء شباب يكتبون الرواية مهما كان مستوى كتابتهم واهياً أو رديئاً أو حتى مخلاً بالآداب العامة. 

لاشك أن التجربة أثبتت أن الجيد فقط هو ما يبقى على مر الزمن وأن الرديء مهما انتفخ فهو كالبالون قصير العمر ما يلبث أن ينفجر في وجه مقترفيه سريعاً..

أمر آخر ربما يثير دهشة المثقفين أن كتب التراث العتيقة لم تزل هي صاحبة اليد الطولى كأكثر الكتب مبيعاً لا في العام السابق وحده بل في كل عام. وهو أمر له دلالة خطيرة؛ فهو إن كان يمثل شهادة ثقة تتجدد لأصحاب الأقلام الرصينة الراسخة، فهو يمثل شهادة عكسية لمستوى الكتب وكتابها اليوم!

على اسم مصر..
 
اختار معرض الكتاب لشخصياته الثقافية شخصيتين هما: صلاح جاهين وكامل كيلانى، وقد أحسن الاختيار..
 محمد صلاح الدين بهجت الشهير بصلاح جاهين هو فنان شامل شديد الإخلاص لعمله ولوطنه. وقصيدته الشهيرة على اسم مصر لم تكن إلا قليلا من كثير كتبه في حب مصر. كان شاعراً وممثلاً ورساماً وكاتب سيناريو ومنتجاً. كان من عباقرة الأدب والفكر الحقيقيين.. وقد حققت بعض أعماله شهرة عالمية كأوبريت الليلة الكبيرة الذى أصبح تراثاً فكرياً شعبياً معبراً عن عادات وشخصيات مصرية خالصة.. وهو الشاعر ذو الرقم القياسي الأكبر من حيث سرعة مبيعات كتبه؛ إذ حققت رباعياته الشهيرة ما يزيد على ربع مليون نسخة في أسابيع، وأنتج عدداً من الأفلام والمسلسلات حققت شهرة فائقة ولا تزال.. فمن منا لم يشاهد "أميرة حبى أنا" أو "هو وهى" أو "شفيقة ومتولي"، فيلم مثل خلى بالك من زوزو حقق رقما قياسياً فى مدة عرضه التي تخطت 54 أسبوعاً متتالياً في السبعينيات..
 
والحق أن تذكرنا المتأخر لصلاح جاهين يأتي لينكأ جرحاً آخر هو قلة الاهتمام بقوتنا الناعمة المتمثلة في رموزنا من الأدباء والعلماء والأطباء والمثقفين والفنانين وهى كتائب تضم آلاف الأسماء لا نكاد نذكر منها إلا أقل القليل. وحتى هؤلاء القلة لا ينالون ما يستحقون من تكريم.
 
شخصية ثانية تستحق التكريم والثناء احتضنها معرض الكتاب هي شخصية أديب الأطفال الشهير كامل كيلانى. 

والحق أن هذا النوع من الأدب على بساطته يعد من أصعب فنون الأدب وأشدها تأثيراً؛ إذ يشكل وجدان الجيل الناشئ من البراعم. هؤلاء الشباب الصغار لهم عالمهم الذهنى الخاص، وقلما استطاع أحد من الأدباء أن يقتحم هذا العالم فيؤثر فيه ويظل تأثيره باقياً عبر الأجيال المتعاقبة ويأتي على رأس هؤلاء الأدباء الصحفى والأديب كامل كيلانى رائد أدب الطفل في مصر والعالم العربي.. يمكن القول إنه أول من خاطب الأطفال عبر الإذاعة من خلال الأدب التراثى والعالمى، كما كان هو أول مؤسس لمكتبة متخصصة للأطفال. وما تزال مكتبته الأدبية تتصدر المبيعات كل عام . وهو ما يؤكد ما قلناه سابقاً عن قوانا الناعمة وعن حاجتنا لإعادة إنتاج صفوف جديدة من المثقفين بنفس ثقل سلفهم من قدامى الأدباء..
سؤال المستقبل يظل قائماً..
  
من بين أهم الكتب التي أعيد طبعها  كتاب (مستقبل الثقافة في مصر ) لعميد الأدب العربي طه حسين..
 الغريب أن رؤى وتساؤلات طه حسين حينما تقرؤها تشعر أنها تنسحب على زمننا هذا وأن همومنا لا تزال كما هي؛ بل وتزيد. فما الذى تغير في واقعنا الثقافي منذ أن صدر هذا الكتاب وحتى اليوم؟ وهل الثقافة اليوم في ازدهار أم هي في انحدار؟

الواقع يقول إن عدد الأغلفة والعناوين والأدباء والكتاب زادوا وتضاعفوا وصاروا بالمئات، وأن النهم لدى الناس للقراءة لم يقل؛ بل زاد رغم شيوع وهيمنة الثقافة المرئية كالفضائيات والإنترنت؛ بدليل أن اليوم السابع لمعرض القاهرة هذا العام استقبل ما يزيد على ربع مليون إنسان!
 
دور النشر وحدها تجاوزت الألف، فما بالك بعدد الكتب والأغلفة بالمعرض والتي تعد بالملايين. 

لكن ماذا عن أسعار الكتب؟ هل رأينا تراجعاً في المبيعات رغم ارتفاع أسعار المطبوعات. 

الحقيقة أن العكس هو الصحيح، وأن الإقبال لا يزال متزايداً على القراءة والمعرفة ولا يزال نهم المصريين نحو القراءة يزداد برغم كل شيء. وليت المسئولين عن المعرض وعن الثقافة يدركون دلالة هذا الأمر ليحسنوا استغلاله على الوجه الأمثل.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: