Close ad
2-2-2023 | 15:11

كورونا.. لم يعقل أبدًا أن يتسبب ذلك الفيروس متناهي الصغر ومتحوراته في كل ما آل إليه العالم من وقت ظهوره وإلى الآن، كما لا يخفى على أحد فإن مجيء جائحة كورونا كان بمثابة زر تم الضغط عليه؛ ليحدث كل ما حدث من تغيرات في معظم المجالات حول العالم، ومن أبرز هذه التغيرات والتي من وجهة نظري الأكثر تأثيرًا، هو الاتجاه إلى العالم الافتراضي أو التواصل عبر برامج ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد زادت نسبتها كثيرًا منذ ظهور الجائحة وإلى الآن.

العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك أو ما شابه ليس جديدًا في التزامن مع ظهور الجائحة للتواصل بين الأشخاص وبعضها، لكن الملاحظ هو تكثيف الاتجاه ناحية العالم الافتراضي كنتيجة متزامنة مع تكثيف ظهور الوباء العالمي والاضطرار للجوء إلى الحظر وعدم المغادرة من المنازل.

لنعطي تعريفًا أوليًا بسيطًا عن ماهية الواقع الافتراضي والميتافيرس؛ مستقبل مواقع التواصل الاجتماعي أو بالأحرى مستقبل الإنترنت بصفة عامة، ظهر مصطلح ميتافيرس لأول مرة من خلال رواية الخيال العلمي Snow Crash والتي ألفها الكاتب نيل ستيفنسون عام 1992، وتدور أحداثها حول تفاعل البشر، من خلال الشبيه الافتراضي (أفاتار)، ويحتضن هذه التفاعلات والتعاملات فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد، مدعومًا بتقنيات الواقع المعزز، فيما يشبه إلى حد كبير العالم الحقيقي، حسبما ذكر، ثم يأتي فيلم Ready Player One إصدار 2018 ليدعم الفكرة أكثر مسلطًا ضوءًا جانبيًا بشكل مخيف عن السيناريو المحتمل الحدوث من اللجوء إلى الواقع الافتراضي كإحدى النتائج المترتبة على حدوث كوارث، وشبه دمار للواقع الحقيقي على كوكب الأرض.

تعرف الميتافيرس بأنها سلسلة من العوالم الافتراضية التي تضم تفاعلات لا حصر لها بين المستخدمين من خلال الأفاتار الخاص بكل مستخدم، والتي ربما لن تقتصر على ممارسة الألعاب والترفيه فقط، بل ستتيح هذه التقنية كذلك العديد من التفاعلات الخاصة بالأعمال، بمعنى آخر أن الأمر إلى حد كبير أشبه بتحويل الإنترنت إلى بيئة ثلاثية الأبعاد لا يقتصر دور المستخدم على النظر إليها أمام شاشته؛ بل الدخول في هذه البيئة بنفسه حتى يصبح أحد عناصرها، ولتنفصل حواسه عن عالمه الحقيقي وتعظيمها فترة بقائه في العالم الافتراضي، وهذا من الممكن الاستفادة منه في حضور الاجتماعات المهمة أو المحاضرات أو حتى من الممكن استخدامه على مستوى الزيارات العائلية وأنت جالس في منزلك، فهل هذا يعني استمرار إمكانية استعمال حواسنا الحقيقة الطبيعية داخل هذا العالم الافتراضي، أم سيختلط الأمر بين الإحساس الواقعي والوهمي داخل هذا العالم؟!

في إحدى فقرات برنامج حواري - سبق وأن شاهدته - كان يتحدث عن أحد استخدامات الواقع الافتراضي؛ حيث قام مجموعة من الشباب المهندسين بتصوير أحد البيوت الأثرية داخليًا بشكل ثلاثي الأبعاد، ومن ثم عندما يكتمل تصوير كل أجزاء المنزل الأثري سيتم طرح هذا البرنامج للمستخدمين على شبكة الإنترنت من خلال التسجيل، ودفع الرسوم الإليكترونية لزيارة هذا المكان الأثري؛ لكن من منازلهم.

وهنا يأتي السؤال، هل لمثل هذه التقنية من فائدة أم أنها ستلحق أضرارًا ثقافية ومجتمعية؟! ترى ماذا سيحدث لو تم تطبيق مثل هذا الاقتراح فعليًا على كل مكان في العالم؛ حيث يمكن لأي أحد وبعد دفع التذكرة المطلوبة أن يدخل على هذا المكان، وبتقنية الواقع الافتراضي سيشاهد كل معالم المكان الأثري وهو جالس في منزله؟ ترى هل سيقتصر الأمر على نقل تفاصيل المكان الأثري بتفاصيله الواقعية؛ ليتمكن أي فرد من رؤيته في العالم الافتراضي أم أنه من السهل -وأخشى هذا - أن يتم إضافة أي تفصيلة مغلوطة أو محو تفصيلة مهمة كزيادة في التضليل والتي معها لن يتمكن أي أحد من ملاحظتها إلا المثقفون فقط وذوو الخبرة؟

هل من الممكن شحن معلومات مغلوطة في أثناء الجولة الافتراضية أو تفاصيل مغلوطة قد تظهر بسيطة بدون رقابة أو وعي لجموع غير المثقفين، ومن ثم سيتم ترسيخها في العقل الباطن على أنها حقائق، لأنهم في العالم الواقع قد لن تتاح لهم الفرصة طوال عمرهم بزيارة واقعية لمثل هذه الأماكن.

ما نراه في الوقت الحالي من الزيادة في تواجد محاضرات لمختلف المجالات، وتحسن جودتها على منصات التعليم الإليكتروني - كما نرى على شبكات الإنترنت – يؤكد أن هناك بعض الوظائف قد زاد ظهورها، وعلى سبيل المثال إلقاء محاضرات للطلبة من خلال الاتجاه للتقديم عليها لمن لديه الإمكانيات من أساتذة المدارس والجامعات لسهولة إمكانية نقل الخبرات دون الحاجة إلى حد ما للسفر، ينبئ إلى حد كبير ومهم الاتجاه وبقوة إلى استخدام مثل كل هذه المنصات ناحية الواقع الافتراضي. 

وكما لا يخفى على أحد - ومنذ فترة ليست ببعيدة - الاتجاه ناحية إنشاء صفحات للدعاية للشركات والمستشفيات، وحتى أصحاب الأشغال اليدوية على مواقع التواصل الاجتماعي - وبالأخص الفيسبوك - وقد أصبحت مثل هذه الصفحات مصادر ربح لا بأس بها لأصحابها، هذا وقد زادت مع الجائحةـ وأيضًا نرى بشكل ملحوظ اتجاه الدولة إلى الرقمنة أو بمعنى آخر تزايد الاتجاه إلى المنصات الرقمية الحكومية للتقديم على استخراج الأوراق المهمة تجنبًا للازدحام في العموم متضمنة تجنب التعرض لخطر نقل العدوى والإصابة بها.

إذا كل ما نراه حاليًا في مختلف البلدان من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو المنصات الرقمية في مثل هذه الأغراض السابق ذكرها مؤشر إلى أنها ما هي إلا خطوات حتى الوصول إلى الواقع الافتراضي ببساطة من خلال دخول أي مستخدم إلى هذا العالم ليجد نفسه داخل سلسلة من المجتمعات الافتراضية المترابطة والتي لا نهاية لها، يمكنه من خلالها التقاء عدد كبير من الناس المتاح التعامل معهم إما لغرض العمل، أو تلقي المحاضرات، حضور اجتماعات مؤتمرات، زيارات لأماكن أثرية أو حتى اللعب والزيارات العائلية، وكل ما يحتاجه لذلك سماعات ونظارات الواقع الافتراضي المعزز وما ترتبط به من تطبيقات الهواتف الذكية.

لا أنكر بلا شك أن ما يحدث في الوقت الحالي، وما سيحدث مستقبلا هو نقلة نوعية بكل المقاييس وستسهل على أي فرد الوصول إلى ما يريد، ومع تطور عوالم ميتافيرس سيصبح كل نشاط إنساني في الواقع الحقيقي متاحًا بكل تفاصيله في العالم الافتراضي، الأمر الذي يعني أن الإنسان ربما يكون قادرًا على البقاء في العالم الافتراضي لفترات أطول.

وفي النهاية، على كل أسرة أن يبدأ كل أفرادها كبيرًا كان أو من الجيل الحديث رويدًا رويدًا بحب العالم الواقعي، والتحدث مع الأشخاص الواقعيين، بداية بالأهل والأصدقاء، بدلا من إدمان مثل هذه المنصات ووسائل التواصل، والتي قد تصيبنا في المستقبل بنوع من التوحد الخطير والذي معه سيفضل أي شخص الدخول في العالم الوهمي بدلًا من معايشة الواقع، كما من المستحب والضروري زيادة معدلات الثقافة عن تاريخ البلد للجيل الحديث خاصة، والتي معها الضمان بعدم ضياع الهوية مستقبلًا في حال كان الاضطرار لاستخدام الواقع الافتراضي أكثر من الواقعي.

* دكتور باحث – المعهد القومي للمعايرة

كلمات البحث