Close ad

تحريك رقعة الشطرنج العظمى (2)

31-1-2023 | 15:42
الأهرام العربي نقلاً عن

أوراسيا هى العالم، والعالم هو أوراسيا، معادلة حتمية يؤمن بها مفكرو الجغرافيا السياسية الغربيون: ماكندر، بريجينسكى، هانتنجتون، هنرى كيسنجر، بونابرت، وأتباعهم المخلصون فى أربعة أركان الأرض!

جعلوا من أوراسيا ذلك "الخليط التاريخى من أوروبا وآسيا"، الغني بالموارد البشرية والطبيعية، جنة الإمبراطوريات، وصاغوا معادلة حتمية لها مفادها: أن من يسيطر عليها يحكم العالم!

من أجل إثبات هذه النظرية، جعلوها فرضية لا تقبل الاجتهاد أو الجدل، بينما جعلوا من مناطق إفريقيا، وشرق وجنوب المتوسط، محض كم مهمل، تصبح بالضرورة تحت سيطرة أي صاحب قوة مطلقة يحكم أوراسيا.

نظرة راسخة فى الأذهان تنم عن تعال مفرط، مع الأسف لم يظهر مفكر آخر غربى أو شرقى، يزحزح هذه الفرضية، أو يقوم بتحريك قطع الشطرنج على رقعة الأرض، بعيدًا عن هذا المسار القائم على الغزو والقوة وضم الأراضى، والسيطرة على الأمواج، ثم تكوين الإمبراطوريات، برغم محاولات المفكر الروسى ألكسندر دوجين.

كان بريجينسكى متحمسًا، وهو يكتب دون تردد أو مراجعة: إن الجائزة الجغرافية السياسية لأمريكا هى أوراسيا"، الحماسة والخبرة اللتان جعلتا من بريجينسكى أحد العقول المدبرة لتوريث أوراسيا لأمريكا، ناصحًا بضرورة منع روسيا أو الصين أو أي قوة في أوروبا الغربية من التفكير فى السيطرة عليها مرة أخرى.

حدد بريجينسكى بلدين مهمين، يجب أن يكونا ضمن الفلك الأمريكى: أذربيجان، وأوكرانيا، ولنقرأ بإمعان ما يحدث الآن فى أوكرانيا، حتى نعرف الرسائل القديمة التي كتبها بريجينسكى.

كان دونالد بوشالا، الباحث الأمريكى فى الشئون الدولية، أحد روافد بريجينسكى فى قراءة أوراق أوراسيا، وصحف الإمبراطوريات القديمة، هو من قال إن: "الإمبراطوريات لا تسقط، ولكنها تتفتت بشكل بطيء"، أو حسب بريجينسكي نفسه، يحدث لها تدمير ذاتى كالإمبراطورية السوفيتية، والتدمير مصطلحا، يستخدمه فى كتابه "رقعة الشطرنج العظمى"، بإفراط.

يعترف بريجينسى بأن المفاجأة تكمن في أنها المرة الأولى التى تتم فيها السيطرة على الأوراسيا من قبل دولة تقع خارج جغرافيتها، أى أن أمريكا، وهى دولة غير أوراسية، باتت تحاصر أوراسيا من الغرب والشرق بالقواعد والأساطيل، والثقافة المرنة الحيوية، وتستخدم أدواتها الاقتصادية عابرة القارات، ومؤسساتها المالية، وقوانينها العالمية، فى سيطرة كونية لا سبيل للخروج عليها، أو التراجع عنها.

بعمق يعترف بأن حلفاء أمريكا اندمجوا معها إلى درجة أنهم يحكمون بلادهم حكما ذاتيا أو شبه ذاتى، أي أنهم يحكمون دولا لا تستطيع أن تصبح قوة ذات بُعد عالمى!

ينكر بريجينسكى على بريطانيا، وكانت تسمى الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، أنها كانت قوة عالمية، وكذلك على فرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، والإمبراطورية الروسية.

هذه القوى الكبرى من وجهة نظره، برغم ركوبها الأمواج خارج حدودها الجغرافية، والوصول إلى ما وراء البحار، فإنها جميعًا كانت تفتقد إلى القوة الشاملة التى تتمتع بها أمريكا الدولة المفاجأة غير الأوراسية.

يستند بريجينسكى، في ضرورة الزحف الكوني إلى آراء صامويل هانتنجتون، وإلى أبحاثه المبكرة عن ضرورة أن تصبح أمريكا القائدة الكونية بلا منازع.

يقول هانتينجتون: إن عالمًا دون سيادة أمريكية سيكون عالمًا متسمًا بدرجة من العنف والاضطراب أكبر، وبدرجة من الديمقراطية والنمو الاقتصادى أقل، من العالم الذى تستمر فيه أمريكا لممارسة النفوذ، أكثر من أي بلد آخر فى إدارة الشئون العالمية، وهكذا، فإن السيادة الدولية المستمرة لأمريكا هى أمر رئيسى ومهم لرفاه الأمريكيين، ولمستقبل الحرية، والاقتصادات المفتوحة، والنظام الدولى فى العالم”.

يعترف بريجينسكى بأن كثيرًا من الأمريكيين استقبلوا الانتصار فى الحرب الباردة استقبالا باردا. وساخرًا في بعض الأحيان من قبل ليبراليين يطالبون بفض الاشتباك مع العالم القديم.

بعد ربع قرن من وصية بريجينسكى، وهانتنجتون، وبوشالا، يبدو العالم أكثر عنفًا، وأشد صراعًا، وأكثر من محبط اقتصاديًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة