Close ad
26-1-2023 | 12:24

التأم منتدى دافوس وانفض سامره الصاخب دون تقديم إجابات شافية وعملية تخرج عالمنا المأزوم من الجب العميق الذى سقط فيه، جراء كم مهول من الأزمات المتلاحقة التى لا تترك له متسعًا ولا حيزًا، ولو صغيرًا، يتنفس من خلاله، ويستجمع شتات قواه المنهكة والمبعثرة هنا وهناك، وتحول اللقاء الذى كان الجميع يترقب عودته، بعد عامين من الغياب القسرى لدواعى وباء كورونا، إلى "سوق عكاظ" ضخم للخطب الإنشائية والبلاغية.

انشغل الحضور من القادة والشخصيات العامة ورجال الأعمال بتشخيص ما يعانيه العالم من حال مأساوي وضاغط، أكثر من كتابة روشتة علاج تأخذ بيده نحو التعافى، ومغادرة سرير المرض الذى يرقد عليه لا حول له ولا قوة، وبدا أنهم يقدمون شهادة إبراء ذمة، أو لنكن أكثر دقة وتحديدًا، وثيقة عجز وقلة حيلة.

سيبادر البعض بالقول إن دافوس ليس جهة صناعة قرار، ولا يجب تحميله فوق طاقته، وذاك صحيح إلى حد ما، لكن في الوقت نفسه لا يغيب عنا أنه كان بوتقة أفكار تجد صداها وتأثيرها في دوائر صنع القرار لدى الحكومات والمؤسسات المالية والاقتصادية، وتصحيح مسارات خاطئة وضارة على الساحة الدولية.

ويبدو أن منتدى دافوس لم يعد قادرًا على أداء المهمة الأخيرة، ويلتمس عذره لإخفاقه فيما يشهده العالم من انقسام جيوسياسى بالغ الحدة، وشيوع انعدام الثقة بين الشرق والغرب، والتخبط الشديد السائد في العلاقات الدولية، وتراكم الآثار الكارثية للحرب الروسية الأوكرانية دون أن يلوح في الأفق ما يبشر بقرب انتهائها، وإصغاء طرفى الصراع للغة العقل والمنطق، وأن الخسارة ستلحق بالجميع ولن يكون هناك غالب ولا مغلوب، وأن أجيالا متعاقبة ستدفع مكرهة فاتورة تلك الحرب العبثية.

بخلاف أن المنتدى تقادم، حيث عقدت دورته الأولى عام 1971، ولم يعد متمتعًا بزخمه المعهود، ويتخلف عن حضوره الكثيرون، ويلزمه إعادة صياغة تلبسه حلة جديدة تناسب ما طرأ وسيطرأ على المستوى الدولى، ويتصدرها أن الإطار الجماعى لحل الأزمات والمصائب المتعددة فرصته تكاد تكون معدومة لإنهائها، لأن الواقع وحقائقه الكاشفة تؤكد أن الكبار يتحكمون في الدفة ويوجهونها باتجاهات تخدم مصالحهم وصفقاتهم الظاهرة والباطنة، وأنهم يتخفون وسط الكيانات الجماعية، كنوع من تجميل الصورة العامة، على الرغم من أن أعضاء تلك الكيانات يعلمون قبل غيرهم استغلالهم وتوظيفهم كأداة لتحقيق مآرب وخطط القوى الكبرى فى كل العصور والأزمنة، ويتهامسون فيما بينهم وماذا عسانا أن نفعل ونحن مغلوبون على أمرنا وليس باستطاعتنا التملص والتمرد على هذا الوضع البائس المستند لحقيقة أزلية، وهى أن القوي يفرض سيطرته وسطوته وكلمته على الأقل والأضعف منه اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وماليًا وعلميًا وتكنولوجيًا وتطول القائمة.

وإن طلبت برهانًا ودليلا دامغًا على ذلك، لكى يطمئن قلبك ويستريح ضميرك، فما عليك سوى الرجوع إلى نص الخطبة العصماء للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، أمام نسخة 2023 من دافوس التي اكتظت بتحذيرات وتهديدات مما يُخبئه المستقبل من هموم ومتاعب فصلها تفصيلا، ابتداء من التباطؤ الاقتصادى، والأزمة المالية، وارتفاع الأسعار العالمية، واضطرابات سلاسل التوريد، وانتهاء بجائحة كورونا، وتوابع التغير المناخى المهلكة، وعدم التزام الكبار بتعهداتهم المالية لمواجهتها، وأعباء ديون بلدان الجنوب المحبطة والغاضبة، وكان لافتا قوله: "إن العالم ينظر في عين إعصار من الفئة الخامسة".

جوتيريش بكلمته أعاد تأكيد أن الأمم المتحدة عاجزة عن حل ما سبق من معضلات ومشكلات معقدة ومتشعبة، ويبرئ ساحتها واسمها من إثم استمرارها، وأن مَن يُمسك بزمام الحل والعقد هم كبار القوم على المسرح الدولى، وهؤلاء لا يبالون لا بغضب وإحباطات الجنوب ولا غيره، ويكترثون فقط لمصلحتهم ولا شيء غيرها، والرجل يُنفس عما يعتمل داخله وبذهنه بلقاءات ومنتديات مثل دافوس الذى أضحى "مكلمة" لا تقدم ولا تؤخر كثيرًا.

الواضح ياسادة أن منتدى دافوس وأمثاله لم يعد في جعبتها سوى التساؤل: ماذا عسانا نفعل إزاء أثقال عالمنا المتعثر، فالقرارات المصيرية والحلول تتخذ في أماكن بعيدة عنا وعن تأثيرنا، ونحن نكتفى راضين بدور المتفرج.

كلمات البحث