Close ad

في حضرة بهاء طاهر

24-1-2023 | 16:47

منذ أيام احتفلت مكتبة الديوان بالزمالك بالكاتب الراحل بهاء طاهر تزامنا مع ذكرى ميلاده، المبادرة من المكتبة لها مذاق خاص وإنساني، كانت المكتبة جزءًا من يومه لسنوات وسنوات، يقابل الأصدقاء والكتاب ويجري الحوارات الصحفية، إدارة المكتبة بادرت بعقد ندوة بعنوان في حضرة بهاء طاهر بإشراف ليال رستم ونهال شوقي وأحمد القرملاوي، اجتمعنا قراء وكُتَّابا في صحبة عائلته وأصدقائه في مكتبته المفضلة، وقد أطلقت الديوان على الطاولة التي كان يجلس إليها بهاء طاهر قارئًا ومبدعًا "طاولة بهاء طاهر" وعلقت على الطاولة يافطة تشير إلى ذلك.
 
كان لإبداع بهاء طاهر مذاق خاص ينم عن موهبة خاصة ودراية بفن الرواية، كتاباته دائمًا مليئة بالشعر، تأخذك إلى واحات التأمل، هو حالة تثقيفية متكاملة، كان منشغلا دائمًا بحال الوطن، وحال الديمقراطية، وحال الإنسانية، قال عنه يوسف إدريس "إنه كاتب لا يستعير أصابع غيره"، كما كان على امتداد حياته مثالا للمثقف العميق والفاعل.. لقاء حضارات وأمكنة وأزمنة ووقائع تاريخية ثرية، وفضاءات متنوعة لنصوص الكاتب الكبير، من الصحراء مرورًا بالقاهرة ثم الغربة، إلى بلوغ أعلى مراتب السموِ على الطريق، كان يقول عنه صديقه الأستاذ هيكل: الثقافة تعني بهاء طاهر.. وبهاء طاهر يعني الثقافة، وكان يقول عنه الأديب محمد المخزنجي: بهاء طاهر واحد من أكثر كتاب العربية المعاصرين وعيًا بما يكتب، وتأملا للكيفية التي يكتب بها، وواحد من أشدهم صبرًا على دروب الكتابة وتأملا للكيفية التي يكتب بها، استطاعت أعماله أن تصبح علامة بارزة في ساحة القص المصري والعربي‏ وأن يواصل مسيرة أدباء مصر العظام محمد حسين هيكل والعقاد ونجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس.
 
هو سيد الزهاد وشيخ شيوخ الحفاظ على الكبرياء، وفارس فرسان الستينيات.. كتاباته دائما تحتفي بضعف الإنسان وتساؤلاته واعتراضاته، كتاباته هي التي علمتنا كيف نقترب أكثر من أنفسنا بصدق، وهي تهب لمن يقرؤها أعمارًا أخرى وحيوات أجمل، بهاء طاهر صاحب المواقف الوطنية المشرفة، كان يعرف الصعيد الذي يسكن روحه، ويعشق الصحراء التي يعتبرها بستان الله، ويعيش في القاهرة بعد أن خبر مدن العالم، وعلى الرغم من أن غالبية شخصيات روايته تبدو محبطة ومهزومة‏، إلا أنه دائمًا ما يبحث عن العدالة والحرية‏، رحابة النيل وصدقه وعذوبته كانت متجسدة في شخصية بهاء طاهر.
 
 وصية بهاء طاهر
 
أتذكر في آخر حوار صحفي معه منذ سنوات سألته: ما أحلامك لمصر؟
قال: تغيير الخطاب الثقافي، مازلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي.. جوائز ومهرجانات واحتفالات.. لكن لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع، أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي كان في هذا الوقت د.طه حسين وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه وهذا كتبه في كتابه بمستقبل الثقافة في مصر سنة 1937 كان رأيه أن القراءة الحرة تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية، وهذا تم تطبيقه في العام ونصف العام الذي كان فيه وزيرًا وقد وزعت علينا في المدارس.. كتب مجانية للقراءة فقط.. وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة، أنا لا أذكر منذ سنوات طويلة أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة.. قد قرروا دراسة أحد كتب العبقريات لعباس محمود العقاد ورواية "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ.

مستطردًا قال: في الخارج يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتاب.. مثلا يشرحون جملة للطلبة استعملها ألبير كامي في رواية كذا.. وهنا يبقى جزء من ثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفون.. لكن الآن للأسف يتم فرض على التلاميذ نصوص عفا عليها الدهر ونصوص صعبة جدًا، ولا نحاول أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة أبدًا.

بهاء طاهر صاحب: قالت ضحى، الحب في المنفى، واحة الغروب، نقطة نور، أنا الملك جئت، خالتي صفية والدير، كان يعتبر رواية قالت ضحى الأقرب لقلبه فقد حاول في هذه الرواية محاكمة ثورة يوليو واختار لها زمنًا مليئًا بالتحولات السياسية في بيئة المجتمع، وأيضًا واحة الغروب قريبة إلى وجدانه، فهذه الرواية يقول عنها: احتشدت لها بأكثر من وسيلة لأنني عاشق للصحراء وأحبها جدًا، وتجد بطل الرواية نصف مثقف ونصف ثوري ونصف خائن وللأسف هذا حال بعض المثقفين.

كان يحب الصحراء ويعتبرها حديقة الله، فكل الأنبياء ولدوا وعاشوا في الصحراء، فهي تخلق علاقة مع الروح الإنسانية بعمق، وتساعد الإنسان على خلق صلة روحية بالمكان.

أثناء الندوة تذكرت آخر لقاء معه، محفور في ذاكرتي، ذهبت إليه لإجراء حوار لجريدة الأهرام، واستقبلتني زوجته السيدة ستيفكا التي ترعاه دائمًا وتهتم به بحنو وإخلاص نادر، لم تكن الذاكرة تسعفه، وكان حبه لهذا الوطن وأهله هو الذي يجيب عن أسئلتي..

سألته ما هي الرسالة التي تريد توجيهها للمصريين يا أستاذ بهاء؟
رد قائلا: ربنا يعينكم، لكننا نحتاج للعمل بشكل أكبر مما هو موجود حاليًا... أكثر مما ننتقد.
ما هو توصيفك للحب حاليًا؟؟
"الظاهر إننا مش عارفين نحب بعض، ولازم نحب بعض أكثر، الحب حاليًا أصبح صعبًا، الحب أصبح منفيًا، ولا زلنا نتساءل عن سبب هذا، رغم أن الحب هو اللي بيسند ويطبطب على الناس في عز الأزمات والحروب، ورأيي أن اختفاء الحب خطر".

سألته يا ترى هل اختفى بفعل فاعل؟ ومن برأيك يكون الفاعل؟ الفقر أم الظلم أم القهر أم اليأس؟

المتآمرون على المصريين هم الفاعلون، يحاولون تكسير الحب الذي يعد حائط صد، القسوة هي التي تقتل الحب، عندما كنت أمشي في الشوارع كنت أرى بعض الناس وهم يطعمون القطط بحب كبير.

للعلم، هذا المشهد أثر في الجبرتي، وكتب أن هذا المشهد من محاسن مصر، ثم ربط انهيار المجتمع في مصر بمطاردة الأطفال للقطط بشكل عنيف، واستطرد قائلًا: لكن مصر ستظل محروسة.

قلت لي سابقًا إن هناك تميمة خاصة بالمصريين لحمايتها؟
بعد شرود قال: "يارب تستمر".
ما أكثر ما يخيفك؟
"إن المصريين يتغيروا من حيث أخلاقهم وطباعهم، الأخلاق هي حائط صد المصريين وليس الأموال وما شابه"..
 
طوال فعاليات الندوة تشعر إن روح كاتبنا الكبير ترفرف في المكان، كأنها ترانا، وتتلمس كلمات الحب والتقدير الصادقة له ولأعماله الأدبية الكبيرة من القراء والنقاد والأصدقاء، والطاولة التي تحمل اسمه الآن بالمكتبة، وامتنان زوجته رفيقة المشوار، وحنين دينا ويسر ابنتيه..

كلمات البحث
الأكثر قراءة