راديو الاهرام

الشعراوي.. هرم لا يصعده الأقزام

22-1-2023 | 16:29

رغم أن كل الأطباء، ومنهم العبد لله، لا يتفقون مع فتوى الشيخ الشعراوي بعدم جواز نقل والتبرع بالأعضاء، لأن هذا العضو ملك لله، إلا أن أحدًا منا لم يجعله هذا الأمر يقدح أو يذم في الشيخ الشعراوي وعلمه، فالشيخ الشعراوي يعد مفسرًا عظيمًا للقرآن، ومن أفضل دعاة ومربي عصره، ولكنه لم يكن بارزا في الإفتاء وتعقيداته المعاصرة، مثل بروزه في ميادين التفسير واللغة ومخاطبة العقول والقلوب والدعوة وهداية الخلائق، ولكل ميدان فرسانه، فقد كان هناك صحابة شجعان، ولكنهم لم يصلوا يوما في العسكرية إلى عبقرية خالد بن الوليد العسكرية.

والفتوى تختلف عن الدعوة والتفسير، وكل له أدواته ومدخلاته، ولكن أغلب المصريين يخلطون بين "الواعظ والداعية والفقيه"، وبين "الخطيب والأصولي المدقق"، وبين "المربي والسياسي"، ويسألون الداعية في أمور السياسة، أو يريدون من الفقيه أن يكون خطيبًا مفوهًا يدغدغ العواطف، ويسألون الداعية والمربي والواعظ فى أدق مسائل الفقه التى ينبنى عليها أمور عظام.

ومسألة صلاحية زرع ونقل الأعضاء هى قرار طبى يخص الأطباء وحدهم، والطبيب المعالج: هو الذي يدرك فائدة ذلك ومصلحته للمريض، ولو حرمنا التبرع بالأعضاء لحرمنا الملايين من مرضى الفشل الكبدى والكلوى من تبرع أمهاتهم وآبائهم بكليتهم أو جزء من كبدهم لأولادهم أو العكس، أو التبرع لزرع النخاع بعدة سنتيمترات من الدم، فلولا زرع القرنية لظل مرضى عتامة القرنية لا يرون النور، ولولا زرع الكلية لمات الكثيرون، وقس على ذلك، صحيح أن عمليات زرع كثيرة تفشل، ولكن ذلك لا يبرر منعها، فالطب يتطور باستمرار ويعالج أسباب الفشل فى زراعة الأعضاء بالتدريج حتى يصل إلى الدرجة المثلى، مساحات تداخل عمل المفتى مع عمل المتخصص في الحياة تحتاج لضبط كبير، وكذلك مساحة الداعية والسياسي، والداعية والفقيه، والواعظ والإداري.

ولعل أهم مشكلة واجهت العرب عامة ومصر خاصة؛ أن كل من يحسن الخطابة يسوقه الشباب سوقًا ورغمًا عنه ليكون برلمانيا أو سياسيا،أو إداريا، أو حتى مسئولًا رفيعا في جماعة أو حزب أو دولة، والحقيقة أنه سيفشل في كل ذلك؛ لأنه يفتقر ملكاتها.

وهناك مسائل في الحياة تخص أهل الطب كلُ في تخصصه، ولا تخص المفتي، أو العالم، ومنها زرع الأعضاء فهى مسألة علمية طبية، فإذا سألت فيها عالم أو مفتي فهي للاسترشاد وليس الإلزام.

ويعرف الأطباء جميعًا عدم صواب رأى الشيخ الشعراوي في هذه المسألة، ولكنهم دائما يقولون هذا اجتهاده الشخصي يثاب عليه ولا يلزمنا، دون قدح أو تطاول أو سوء خلق أو هضم لعلمه.

مساحة الشيخ الشعراوي التي أبدع فيها، لم يسبقه فيها أحد، وهو أحد المجددين العظام في الدين والإسلام، وأحد صناع المعروف، ونحن هكذا تحدثنا عن رأيه في مسألة، وخالفناه فيها دون قدح أو ذم، فهذا اجتهاده لن نأخذ به وكفى.

ولكن.. هناك من يتخذ مثل ذلك ذريعة لهدمه، ونحن لا نريد التقديس ولا التبخيس، التقديس لا يجوز، والتبخيس لا يجوز، والتبول في بئر العلماء الصافي من البعض مقصود؛ طلبًا لشهرة كاذبة، وخاصة من بعض أناس دأبوا على مدح كل أحد بدءًا من الراقصة وحتى أسوأ الخلق إلا "علماء الإسلام العظام"، ولم يقفوا عند حد، فتطاولوا على الصديق "أبي بكر" الذي مدحه القرآن"ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ".

تعبيرات رائعة عن الصديق أبي بكر" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا" وكأنهما كيان واحد لا ينفصل عن الآخر،"إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"، ولكنه يضرب بالقرآن عرض الحائط ويقول في صفاقة معتادة "أبو بكر الصديق هو أبوالدواعش"، مع أن الرسول "صلى الله عليه وسلم"، قال: "لو وزن إيمان أبي بكر وإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر".

هذا الرجل نسى أن القرآن مدحه بأعظم مدح وأجمل وصف "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" فربط بين الرسول "صلي الله عليه وسلم" الذي جاء بالصدق وأبي بكر أعظم من صدق به وآزره ودعمه ووقف إلي جواره.

ومن قبل تطاول على خالد بن الوليد، أعظم قائد عسكري في تاريخ الإسلام، والذي تدرس معاركه ونظرياته العسكرية حتى الآن، وهو الذي هزم إمبراطوريتين فضلاً عن سحق المرتدين.

والغريب أن بعض العلمانيين العرب يسبون أعظم الصحابة ويتطاولون عليهم ويمدحون أقزاما كانوا لا يفيقون من "الخمر والزنى" ولم يقدموا لأوطانهم شيئا يذكر.

لقد كتب عن خالد بن الوليد مئات الجنرالات العسكريين منهم على سبيل المثال لا الحصر المشير "أبوغزالة" وغيره.

الغريب أنك لو قارنت بين بعض العلمانيين العرب في سبهم وشتمهم وتطاولهم على الأفذاذ من علماء الإسلام والصحابة، وقارنت ذلك بما كان يقوله مسيحيو الشام عن إنصاف الإسلام ورسوله لعجبت أشد العجب.

 ولك أن تتأمل نموذج العلامة والدبلوماسي والمفكر اللبناني "نصري سلهب" في كتبه "في خطى المسيح"، "في خطى محمد"، "في خطى علي بن أبي طالب"وهو يقول "بين الإسلام ومن يجهلونه هوة سأسعى في كتابي هذا (في خطي محمد) إلى ملئها بالورود والرياحين لتغدو مساحة لقاء، وحقل تلاق، بل مكاناً لعبادة الله والتسبيح بحمده ورفع الصلوات إليه ولا أدعي القدرة على الإحاطة بالإسلام عمقًا وصعدًا".

العلماني العربي عملة سيئة ورديئة من العلمانية، والعلماني الغربي أكثر منه عدلاً وإنصافاً وحكمة، العلماني العربي لا يشتبك مع أي قضية حقيقية من قضايا مجتمعه ووطنه، ويهرب منها هروب الجرذان؛ لأن ذلك سيحرمه الأموال والشهرة.

أكثر العلمانيين العرب الآن ليسوا أصحاب رسالة حقيقية، لا تجد الآن أمثال سعد زغلول، والنحاس، ومحمد محمود، وواصف ويصا، وجورجي زيدان، وأحمد نبيل الهلالي، الذين جمعوا بين الليبرالية واحترام الإسلام والرسل وحوارييهم.

العلماني العربي الآن خاوي الوفاض، يحارب طواحين الهواء، وهو بلا هدف ولا مضمون ولا رسالة حقيقية، وكل القضايا التي يطرحها سطحية باهتة ومفتعلة، وقليل منهم من يخدم الوطن والإنسانية بحق. 

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة