Close ad
21-1-2023 | 10:33

طالما كنت متفائلًا بما سيأتي.. لم تزل مصر تنجب مَن يحافظ على ترابها وبقائها وأصالة عنصرها، وتنتقي من أفضل خلصائها زمرة من الأصفياء يعتلون منبر القضاء.


إن العدالة غالية؛ ولذا تهتم الدولة غاية الاهتمام بحراس العدالة من قضاة مصر الأوفياء، توفر لهم من الإمكانات والأجواء والصلاحيات ما يستطيعون به تحقيق ما تصبو إليه العدالة من استقلالية وحرية وحياد.


لقد رزحت مصر فى عهود الاستعمار تحت نير ظلم غشوم، وكان أول ما يلتفت إليه الغازى فى طريقه للإفساد والهدم القضاء والقضاة، ومن خلال إفساد منظومة العدل يستفحل الظلم ويصبح له رعاة ممن تربوا فى أكناف الغزاة، ولا ننسى كيف أن الذين حكموا فى حادثة دنشواي لصالح الإنجليز كانوا قضاة مصريين حادوا عن الحق والعدل إلى ضلال الانحياز للمحتل.


إن منظومة العدالة الراسخة فى مصر رسوخ الأهرامات، لم يتحقق لها مثل هذا الرسوخ والشموخ والعراقة بسهولة ويسر، بل مرَّت أولًا بطريقٍ طويلٍ عسير وصعب حتى تصل إلى ما وصلت إليه اليوم من تطور واكتمال. 


وما زال هناك اهتمام أكثر باستمرار تطوير المنظومة على غرار أحدث النظم العالمية، لاسيما وقد أعدّ نادى القضاة منذ عام 2019 خطة إستراتيجية يستمر تطبيقها حتى عام 2023 لتطوير القضاء المصرى تضاهي أرقى خطط التطوير العالمية، وتتوافق مع خطة الدولة فى التنمية المستدامة المرتكزة على رؤية مصر 2030.


لهذا أنا متفائل.. وسأظل كذلك.
 
فى ماراثون التاريخ
 
قطعنا شوطًا طويلًا حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.. إن التاريخ المصرى يسجل كيف أننا عرفنا النظام القضائى منذ فجر العصور الأولى، وأن الآثار التى عُثر عليها فى منطقة الهمامية بمركز البداري بأسيوط أشارت إلى أقدم محاكمة فى التاريخ؛ إذ تعود إلى عصر الأسرة الفرعونية الرابعة والملك خوفو، وكان فى مصر أيامها ست محاكم كان يُطلق عليها "المساكن المبجلة"، يشرف عليها قاضٍ برتبة وزير يعاونه جهاز من الموظفين كأمين سر الأحكام القضائية وما يُدعَى: "أمين سر الكلمات السرية فى المسكن المبجل" بالإضافة للكتَبة والعمال. وكان الملك هو صاحب السلطة القضائية؛ إذ تصدر الأحكام القضائية باسمه. وتتوافر للمحاكمات صفة المجانية، فلم يكن التقاضي مكلفًا؛ خاصةً وأن مهنة المحاماة لم يكن لها وجود؛ حيث يتولى المتحاكمون مرافعات الاتهام والدفاع بأنفسهم، وعرف الفراعنة نظام المحاكم العسكرية، وقد سجلت النقوش الفرعونية محاكمة تمت بين رجل عسكري وآخر مدني، وانتصف القضاء حينها للشخص المدني؛ مما يشير للاستقلالية التي كان يتمتع بها القضاء وقتذاك.


ومنذ الفتح الإسلامى لمصر ظهر نظام المحاكم الشرعية، ويسجل التاريخ اسم أول قاضٍ من القضاة العدول وهو "عبدالرحمن عبدالله الحسين"؛ حيث تولى القضاء بين عامى 185 : 194 هـ. وظل هذا النظام قائمًا لفترة طويلة، تنتابه تغيرات ونظم تطوير غير جوهرية، وقد يصاب بالضعف والتراخى بعض الأحايين، حتى تغير شكل النظام القضائى على يد العثمانيين الذين أسقطوا نظام الاحتكام إلى المذاهب الأربعة الشرعية فيما عُرف بالقضاة الأربعة، وقام الباب العالى عام 1522 بإعادة تشكيل النظام القضائى، وبات القضاء فى يد قاضٍ واحد يُدعَى "قاضي عسكر" بمثابة وزير العدل الآن، وقسمت مصر إلى 36 ولاية قضائية ضم فيها ذلك الوزير اختصاصات إدارية مستحدثة لم تكن موجودة من قبل لدى قضاة مصر السابقين، وعندما جاء الاحتلال الفرنسي حاول تعديل النظام القضائى القائم لكنه لم يفلح، واستمر محمد على على نفس النهج السابق، لكنه أضاف إليه هيئة قضائية جديدة عام 1842 أسماها "جمعية الحقانية"، وكانت بمثابة محكمة جنايات وجنح، تغير اسمها فيما بعد إلى "مجلس الأحكام"، وفى عام 1845 أنشأ محمد علي ما يدعَى مجلس التجار للمنازعات التى تنشأ بين طوائف التجار، وقد شهد عام 1863 إنشاء أول وزارة مختصة بالتقاضي تحت اسم "ديوان الحقانية" الذي أعطيت له سلطة إدارة المحاكم ومجالس الأقاليم، وفي عام 1875 عرفت مصر أول ظهور لبذرة التمييز بين أبناء البلد وبين الأجانب، الذين استفحل تدخلهم فى شئون البلاد شيئًا فشيئًا فيما عُرف بالمحاكم المختلطة، حتى جاءت ثورة 52 التى أعادت الأمور لنصابها.


إن عمر القضاء الدستوري المعاصر فى مصر لا يتجاوز نصف قرن؛ لكنه أثبت امتيازًا وتألقًا ورسوخًا جعله يَحظى باحترام كافة نظم القضاء فى المنطقة العربية وإفريقيا، خاصةً بعد إنجازاته فى قضايا التحكيم الدولى التى أثبتت تميز قضاة مصر.
 
نحو قضاء مصري عالمي
اليوم، وبعد مسيرة طويلة من العناء والعطاء، آن للقضاء المصرى أن يستهدف تطويرًا يصل به إلى العالمية، وهو قادرٌ على هذا، بما له من باع طويل وخبرة ممتدة وقضاة متميزون وبنية تحتية هائلة.


لدينا اليوم أشكال متنوعة ومتدرجة من التقاضي: بدءًا من القضاء التقليدى الجنائى والخاص بدرجاته المتمثلة فى المحاكم الجزئية والابتدائية ثم الاستئناف فالنقض، ثم مجلس الدولة بأقسامه الثلاث: القسم القضائى والتشريعى والفتوى، وما يتألف منه المجلس من محاكم تتمثل فى: المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري والمحاكم الإدارية والمحاكم التأديبية وهيئة مفوضي الدولة، ثم المحكمة الدستورية العليا، ومحكمة أمن الدولة العليا، ثم هيئة القضاء العسكري، وأخيرًا هيئة النيابة الإدارية، وفى صدارة المشهد القضائي هناك وزارة العدل ونادى القضاة بما لهما من دور تنظيمى وتطويري لشئون القضاء المصرى الفذ.


لقد بدأت مسيرة التطوير منذ عام 2019، وهى لن تنتهى عام 2023، ولكنها ستبدأ عهدًا جديدًا من الرسوخ والتألق والمجد.


[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة