Close ad
19-1-2023 | 14:46

دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي كضيف شرف في حفل يوم الجمهورية الهندي نهاية الشهر، وخلال رئاسة الهند الحالية لمجموعة العشرين، ذكرتني بزيارة سريعة إلى الهند قبل أعوام. فقد كان لزامًا علي اللحاق بالطائرة المسافرة إلى نيودلهي بدعوة كريمة من أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، الذي وجدته يسبقنا جميعًا في مطار القاهرة الدولي وبرفقة الصديق الكاتب الصحفي مسعود الحناوي. كانت المناسبة حضور جلسات منتدى الحوار العربي الهندي الأول في شهر نوفمبر من عام 2008. وكان من المنتظر أن تهبط الطائرة في مطار دبي الدولي لبضع ساعات ثم نصعد إلى طائرة الخطوط الهندية. 

سيطر الجانب السياسي على زيارة عمرو موسى الذي التقى رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب والسفراء العرب في الهند، لكن الأقدار رتبت ما يخصني من نافذة القطار، الجانب الثقافي والتاريخي الذي استحوذ على تفكيري طوال الرحلة. 

تذكرت هناك السيدة انديرا غاندي، الابنة الوحيدة للزعيم جواهر لال نهرو، التي كنت أطالع صورها بالساري الهندي في الصور إذا ما زارت الزعيم جمال عبدالناصر في القاهرة، وأتذكر أنها ربما من المرات النادرة التي كنت أرى فيها صورة السيدة تحية عبدالناصر في الصور، فلم يكن عبدالناصر يبيح اصطحابها في العمل الرسمي إلا استثناء، وربما أتذكرها في صور مرتبطة بزيارة رئيس يوغوسلافيا جوزيف بروز تيتو وقرينته. كان الزعماء الثلاثة، عبدالناصر ونهرو وتيتو في الصور، وفي الواقع السياسي أقرب الأصدقاء. لكني أسرعت الخطى بقوة لألحق بالسيد عمرو موسى وهو يسبقنا جميعًا إلى ضريح المهاتما غاندي ليضع أكليلاً من الزهور، وأقرأ أنا الفاتحة. 

ولطالما بهرتني شخصية غاندي الذي قرأت كتابًا ضخما في سيرته، صدرت ترجمته في نفس السنة التي سافرنا فيها (2008) بعنوان "غاندي السيرة الذاتية.. قصة تجاربي مع الحقيقة" ترجمة محمد إبراهيم السيد. وهو كتاب قديم لغاندي نشر في العشرينيات من القرن الماضي.. ووجدت نفسي في اليوم التالي في الجامعة الملية في نيودلهي لأحضر افتتاح حديقة الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مقر الجامعة، ثم حفل آخر لإطلاق ترجمة إنجليزية لرواية "الكرنك" للروائي نجيب محفوظ قام بها أستاذ بالجامعة. 

وإذا كانت دعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندار مودي للرئيس السيسي تعكس كما قالت الخارجية المصرية التقدير المتبادل بين البلدين على مستوى القيادة، وما يوليه الجانبان من اهتمام بالارتقاء بالعلاقات، فإنها تعكس في تصوري العلاقة التاريخية المتميزة، وقد تذكرت البلدان مرور ٧٥ عامًا على تدشين العلاقات الدبلوماسية. 

واحتفالات ذكرى تدشين العلاقات الدبلوماسية بين الدول، ربما تبدو كأمور طبيعية مرتبطة بالمواعيد، لكن عندما تكون لهذه العلاقات قوة إستراتيجية مميزة، فإنها تكون أكثر ارتباطًا بالمستقبل. فالعلاقة بين مصر والهند أقدم من صور الدبلوماسية الحديثة. وقد أقامت السفارة الهندية في القاهرة احتفالا في نهاية أغسطس الماضي، تابعته إخباريا لألاحظ ما ذكره السفير من أن روابط جمعت بين الحضارتين منذ الإمبراطور أشوكا في الهند وعهد بطليموس الثاني في مصر، وما جمع بين غاندي والزعيم سعد زغلول من أفكار مشتركة بشأن الاستقلال. ثم الصداقة الوثيقة والاستثنائية بين عبدالناصر ونهرو وتوقيعهما معاهدة الصداقة بين البلدين سنة 1955 وتأسيس حركة عدم الانحياز.

أما زيارة الرئيس السيسي الثالثة إلى الهند فهي مختلفة فقد جرى الكثير في العالم منذ زيارتي 2015 و2016. نحن الآن أمام مأساة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وأمام شبح عودة تحدي جائحة كورونا، في ظل مواقف هندية ومصرية متميزة؛ سواء في مقاربة الحرب أو مكافحة الجائحة..

وقد تكون أبرز الصلات الأخيرة عبرت عن نفسها في مشاركة الهند في قمة المناخ، وفي التعاون المشترك والمتماثل في مكافحة كورونا، والمساعدات الطبية التي قدمتها مصر، لكن العلاقات والروابط يفترض أن تتيح تعاونًا أكبر من ذلك.. 

استغرقتنا نيودلهي ومنتدى الحوار الهندي ـ العربي الأول، الذي جاء تحت عنوان "صلات تاريخية وحوار حضارات".. وكانت مخاوف من انفجار تزيد من ضبابية السماء عقب التفجيرات الإرهابية في مومباي، وصلت إلى حد مطالبة البعض لموسى بتأجيل الزيارة، تقديرًا لحساسية المشاعر الملتهبة. وفي حفل أقامه السفير المصري في الهند السفير محمد حجازي التقيت بوزير الشئون الخارجية الهندي باراناب موخرجي وسألته عن الأفق الممكنة لهذه التفجيرات لتحرق الهند. أجابني أنه أمر مستحيل، أن تنشب حرب دينية في الهند، وأشار إلى 350 مليون مسلم هندي، وأكد أن الهند قادرة على تجاوز المحنة.

فيما يتعلق بالدول التي ساهمت مصر كثيرًا في استقلالها أو صداقتها، أو تحالفت معها في عالم كان يموج بأصداء رحيل الاستعمار، وتكتيكات الحرب الباردة، فإننا ينبغي أن ننتبه إلى أن التقارب الممكن معها، يجب أن يعي أن الجيل الحالي مختلف عن جيل الآباء الذي عاش التفاصيل المباشرة والساخنة.

لذلك فإن الاقتراب من ذاكرة خزائن الماضي محفوف بالمخاطر، واللغة السائدة والمفضلة هي لغة المصالح. وهذه ليست دعوة لنسيان التاريخ وإنما للاستفادة منه. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: