Close ad

"طاغور".. بين الماضي والحاضر

19-1-2023 | 13:15

بمناسبة الزيارة المرتقبة لفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية لجمهورية الهند ليكون ضيفَ شرف الاحتفال بعيدها الجمهوري الـ 74، نستحضر إحدى كبرى الشخصيات الأدبية والفكرية الهندية التي أثرت في تطور الفكر الإنساني في القرن العشرين والتي جمعت بينها وبين العالم العربي عمومًا - ومصر بشكل خاص - علاقات وروابط فكرية وروحية قوية، ألا هي شخصية الشاعر والروائي والفيلسوف الكبير رابيندراناث طاغور.
 
رحل هذا الأديب الفذ عن دنيانا قبل واحد وثمانين عامًا وما زال يلهمنا، ولا تزال أهمية فكره تزداد يومًا بعد يوم، لا سيما  في ظل تصاعد التيارات الطائفية والمذهبية والاحتقان والتنافر الديني والعرقي والقومي في معظم أنحاء العالم. فما هي الأبعاد الجوهرية لفكر طاغور التي تجعل منه قامة أدبية وفكرية عالمية عملاقة تلهم المبدعين والمفكرين والمثقفين في كل عصر ومصر.
 
وُلد رابيندراناث طاغور، الشاعر، والروائي، والقاص، والمسرحي، والرسام، والملحن، والفيلسوف والصوفي والحكيم عام 1861م في ولاية بنغال المتحدة بالهند في أسرة بنغالية مثقفة، تثقف في بيته على الطريقة التقليدية وسافر إلى إنجلترا لدراسة الحقوق، ولكنه عكف على دراسة النماذج الأدبية العالمية باللغة الإنجليزية لشكسبير وملتون وشيلي، وتعمق في قراءة أعمال المفكرين الأوروبيين الذين أثروا في تطور الفكر الإنساني، وعاد إلى الهند لينضم إلى حركة استقلال الهند بقيادة غاندي، حيث أدرك أديبنا  أن الاستقلال السياسي عن الاستعمار البريطاني لن ينفع الهنود ما لم تتحرر بلادهم  من براثن التبعية الفكرية والتقاليد البالية والأوهام والخرافات والعصبيات التي تحول دون تحقيق الذات الإنسانية التواقة إلى الوحدة مع الذات الإلهية في جهة ومع البشر من جهة ثانية والتناغم مع الطبيعة من جهة ثالثة. ومن خلال التأمل العميق في وجود  الله والكون والطبيعة والرجوع إلى النصوص  القديمة ودراسة المعاناة البشرية بشتى أشكالها وأسبابها وجذورها، سعى إلى تقديم رؤية واضحة تتسم بالترفع عن التعصبات والتحزبات الدينية والإثنية والقومية والدعوة إلى الإخاء الإنساني العالمي ومناصرة المظلومين والمضطهدين في الأرض ومناهضة الاستعمار بجميع أشكاله، والقضاء على الاستغلال بشتى أنواعه وإحلال الأخوة والمحبة والسلام في العالم ونبذ الحقد والكراهية والتطرف أيا كان مشربه ونوعه، وأخيرًا الجمع بين الروحانية الشرقية والتنوير العقلاني الغربي الذي نادى إلى الحرية والمساواة والأخوة البشرية.
 
استند طاغور إلى الشعر لطرح رؤاه الفكرية العميقة عن الحياة والإنسان والكون، وتجلت بأبهى صورها في ديوانه "جيتانجالي" الذي أكسبه جائزة نوبل في الآداب عام 1913م ليصبح بذلك أول أديب شرقي يفوز بالجائزة. تجاوز عدد قصائده ألف قصيدة، وألفَي أغنية، ومضى يبدع قصصًا وروايات ومسرحيات باللغة البنغالية التي تعد من أروع كلاسيكيات الأدب الهندي والعالمي حتى خلّف وراءه ثماني روايات، وثماني مجموعات قصصية، وستين مسرحية، كما خلف رسومات رائعة وأبدع صنفًا من الموسيقى يسمى "رابيندرا سانغيت".
 
ويمكننا أن نلخص أهم مرتكزات فكر طاغور في استغلال قدرات البشر لتكون مفيدة لذات الإنسان والبيئة المحيطة به واستند في ذلك إلى دمج الفلسفة الهندية القديمة مع الأفكار الغربية. وأنشأ مؤسسة "شانتي نيكيتان" التي تطورت لاحقًا إلى جامعة لتطبيق رؤاه عن التعليم التي تركز على تحقيق التكامل بين الجسد والعقل والروح بالتناغم مع الطبيعة التي هي بمثابة الأم لنا. ويعتبر الرجل أن الحب والحرية والمعرفة هي طرق لتحقيق إمكانات البشر من وجهة نظر روحية. وكان يرى أنه من الأهمية بمكان التوفيق بين العلم والدين لبلورة نظام روحي يساعد على إدراك الذات الإلهية بعيدًا عن التوهمات والخرافات وحتى الشعائر الدينية الظاهرة الخالية من صدق الشعور.
 
وتأتي نصوص طاغور بمثابة واحة للروح وسط صحراء المادة وطغيانها لاسيما في العصر الرقمي الذي نعيشه. يقول في واحدة من أشهر قصائده:
"حيث العقل بلا خوف
والرأس مرفوع
حيث المعرفة حرة
حيث لم يقسم العالم إلى شظايا بجدران داخلية ضيقة.
حيث تخرج الكلمات من عمق الحقيقة،
حيث يمد الكفاح الدؤوب ذراعيه نحو الكمال.
حيث تيار العقل الواضح لم يضل طريقه
في رمال الصحراء الكئيبة للمادة الميتة.
حيث يقودك العقل إلى الأمام
في توسيع آفاق الفكر والعمل.
في جنة الحرية تلك يا ربي،
دع بلدي ينهض! "
 
تلك هي الإنسانية العالمية التي جعلته شخصية محببة جدًا في الهند وبنجلاديش على السواء فكتب النشيد الوطني لهما، وتلك مفخرة لن تتأتى إلا لحكيم محب للإنسانية.
ما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى فكر طاغور الداعي إلى المحبة مع الإنسان، ومع الله،  وتحطيم كل الحواجز الدينية واللغوية والعنصرية والقومية وإقامة السلام الحقيقي والإخاء الإنساني في العالم كله.
 
* أستاذ الأدب العربي بجامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: