Close ad

صراع ناعم لاقتناص ولاء دول العالم

17-1-2023 | 16:59

تتنافس القوى العظمى على شراء ولاء الدول النامية والفقيرة، وتستغل في ذلك قواها الناعمة لتتمكن من التغلغل إلى اقتصاديات تلك الدول، ويقف تنافس هذه القوى حائلًا أمام رغبة أي منها في التدخل العسكري، وهو واقع يختلف عما كان عليه الأمر في القرون السابقة.
 
والصحوة الغربية العدائية ضد الصين من ناحية وروسيا من ناحية أخرى تهدف إلى غل يد الطرفين للتدخل في الشأن الداخلي لدول إفريقيا وآسيا، حتى إشعال الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أشكال هذا الصراع، والمعسكر الغربي يسعى حثيثًا إلى عودة هيمنته السابقة، التي ضعفت، لكي يصبح اللاعب الرئيسي على الأرض.
 
بيد أن مقتضيات الواقع تأبى تحقيق مطامع الغرب، وتفرض عليه استخدام القوى الناعمة بديلًا لبسط نفوذه، وسبقته الصين إلى ملعب شراء الولاء باستثمار أموالها عن طريق إقامة مشروعات بنية تحتية على أراضي الدول الفقيرة، وفي سبيل هذا أطلقت بكين مبادرة "الحزام والطريق" منذ أكثر من عشر سنوات، ووضعت قدمها في عدة دول إفريقية وآسيوية بغرض تنمية الموانئ، وتمهيد الطرق وإتاحة فرص عمل.
 
واستيقظ الاتحاد الأوروبي متأخرًا، وأعلن عن برنامج نظير للمبادرة الصينية، ووضع برنامجًا طموحًا، وخصص له ميزانية تقدر بـ300 مليار دولار، يوجهه إلى تطوير البنية التحتية لدول حول العالم، ويؤكد بعض الباحثين عجز الاتحاد عن مواصلة برنامجه، بسبب ضعف المبلغ المتاح، وهو أقل من المعلن، ومن جانب آخر يرون أن حزمة مساعداته عبارة عن قطرة في بحر أمام الاحتياجات الكبرى لهذه الدول، وتدعيمًا من الولايات المتحدة للموقف الأوروبي، استضاف جو بايدن زعماء إفريقيا في بلاده في نهاية العام الماضي، ووضع 55 مليار دولار كإغراء لدول إفريقيا لكي تدير ظهرها للصين. 
 
والصين بمفردها أنفقت عبر السنوات السابقة 400 مليار دولار على جزء من مشروعات البنية التحتية، وما زال أمامها الكثير، ووقعت اتفاقًا جديدًا بقيمة 100 مليار دولار لاستكمالها، وتلهث من خلفها أوروبا، وتسعى لتحقيق 40 برنامجًا استثماريًا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتشيد حصريًا محطة طاقة كهرومائية في طاجيكستان، بقصد تقليص اعتماد آسيا الوسطى على الطاقة الروسية، والطريف أن الأفارقة يتحدثون بامتنان أكثر عن الدور الصيني في خطواته نحو تنمية بلادهم.
 
والسؤال لماذا لا تستغل الدول الفقيرة والنامية الإقبال الدولي على إرضائها في إملاء شروطها؟ وأولها البدء في تطوير مجالي التعليم والصحة، ويليها إسقاط فوائد ديونها لدى الهيئات المانحة للقروض، وما فعلته دولة جنوب إفريقيا الأيام السابقة بمثابة حجة على قدرة تلك الدول على فرض رغباتها، دون مراعاة شروط الدول الكبرى الداعمة، فقد تحدت جنوب إفريقيا العقوبات الغربية على موسكو، واستقبلت المناورات الحربية الروسية في مياهها الإقليمية الجنوبية، ودعت بوتين لحضور مؤتمر مجموعة بريكس، وروسيا لحقت الصين في عهد بوتين، وضاعفت من مبيعات أسلحتها لإفريقيا بنسبة 200%، وتتوسع الشركات الروسية في استخراج الحديد الإفريقي.
 
وتحاول ألمانيا الدخول على الخط، سعيًا منها لحماية نفسها من الأزمات العالمية كأزمة الطاقة الحالية، وبعثت بوزير اقتصادها منذ أسابيع لزيارة دول إفريقية، ورافقه رجال أعمال ألمان، ويعني كل ما سبق أن الأيام القادمة سوف تشهد صراعًا ناعمًا بين القوى الدولية في سبيل اقتناص ولاء دول العالم.
 
Email: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة