Close ad

‎حديث الشيخ الشعراوي

16-1-2023 | 10:59

شهدت الأيام الماضية جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والشعبية؛ بسبب ما أُعلن من تقديم وزارة الثقافة مسرحية عن الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911- 1998)، في إطار سلسلة أمسيات تتناول رموز مصر عبر التاريخ، الأمر الذي فجر موجة رفض من بعض الإعلاميين والكتاب الذين وصفوا الداعية الراحل - ذا الشعبية الكبيرة من أغلب المصريين - بأنه كان يتبنى بعض الآراء الظلامية والرجعية، وعلى الرغم من أن فكرة المسرحية ضمن طرح شامل للمسرح القومي في سياق أمسيات عن بعض الشخصيات المؤثرة والرموز في شهر رمضان المقبل، لكن مع ذلك اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام بسيلٍ من الانتقادات بين المعارضين للفكرة وقطاع كبير جدًا من عامة الجمهور، الذين رأوا في رفض المعارضين تجاوزًا كبيرًا في حق شخص الشيخ الإمام الراحل، وهنا كان مربط الفرس ـ كما يقولون ـ في هذه الأزمة التي غاب فيها حكم العقل، على الرغم من كونها قضية عامة، بحكم ما يمثله الشيخ لقاعدة عريضة من الجماهير عبر سنوات طويلة، ولم ترقَ الإثارة إلى مستوى المعارك الفكرية.
 
وربما كان أبرز الانتقادات الموجهة لهذه الخطوة وتخطيها مجرد النقد إلى التجاوز في الشخص ذاته، الحديث المتكرر عن واقعة تصريحه بأنه سجد شكرًا لله على هزيمة 1967، ومع أن الكثيرين توقفوا عند هذا التصريح، نجد مثلًا المفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقي في حديث تليفزيوني له يؤكد أن الشيخ الشعراوي اعتذر عن هذا الأمر، بعدما رأى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في المنام، وذهب إلى قبره، وقرأ الفاتحة، معتذرًا عما قال، مؤكدًا أن هذه قصة حقيقية حدثت بالفعل.
 
وفضلًا عن هذه الإشارة، فإن للشعراوي عطاءً ممتدًا في تفسير وتبسيط ما صعب فهمه من آيات القرآن؛ نظرًا لفهمه المتميز والدقيق للغة العربية وقواعدها، وأحاديث الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم"، وكذلك اجتهادات الصحابة والتابعين.
 
وفي واقع الأمر فالشيخ الشعراوي الذي مر على رحيله 25 عامًا، وعلى علمه وشعبيته المستحقة؛ حيث وهب حياته لتفسير كتاب الله، وأوقف عمره لتلك المهمة، كما قال الأزهر ردًا على هذا الجدل، هو في نهاية الأمر إنسان يصيب ويخطئ، لكن لنتذكر أيضًا أنه عالمٌ كبير وله باع طويل في علمه الذي أوصل من خلاله معاني القرآن لسامعيه بكل سلاسة، وجذب إليه الناس من جميع المستويات، موقظًا فيهم ملكات التلقي، ويمثل نموذجًا مشرفًا من أئمة العلم والهدي والدين على طراز أئمة الإسلام الكبار، وبالتالي فإن شخصيته كرمزٍ قابلة للتقديم في إطار عمل يتناوله بموضوعية دون مغالاة؛ سواء بالهجوم أو التقديس، وهو ما تم من قبل في عمل درامي مسلسل، فما المانع من عمل مسرحي شريطة توافر قيم التناول الفني للشخصية الرمز، كما رأينا كثيرين من قبل في مجالات مختلفة؛ كعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وكوكب الشرق السيدة أم كلثوم، وغيرهما، أما شخصية الشيخ الشعراوي فهي مغرية لأي عمل فني، فكل كاتب من حقه أن يتناول هذه الشخصيات مع مراعاة الأصول والشعبية الجارفة والتاريخ، والأهم تقديم عمل فني لائق فنيًا، مع الاستفادة من قدرات الشيخ الجليل الراحل كباب من أبواب تجديد الخطاب الديني، حيث وجد أذانًا مصغية تعي، وصدى في قلوب ووجدان المصريين، الأمر الذي يسهم في هذه القضية الخطيرة مجتمعيًا، بتبسيط المفاهيم للعامة ونشر روح السلام في مواجهة التطرف والأفكار الهدامة، وهو ما يتطلب من الجميع في هذا الجدل الدائر أن يلجأ إلى التفكر والتدبر وإعمال العقل للخروج بنتائج إيجابية، بدلا من التطاول أو الضجيج غير المجدي أو النافع للناس.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: