Close ad

البابوان وجزيرة غمام

15-1-2023 | 16:05
الأهرام المسائي نقلاً عن
توفي بابا الفاتيكان السابق بنديكت السادس عشر نهاية ديسمبر الماضي بعد نحو عشر سنوات من تنحيه عن منصبه الرسمي وترسيمه (البابا الفخري).

 في عام 2019 قدم المخرج البرازيلي فرناندو ميريليس فيلمًا دراميًا بعنوان (الباباوان The Two Popes)، بطولة أنتوني هوبكنز في دور بنديكت السادس عشر، وجوناثان برايس في دور البابا فرانسيس. تدور أحداثه عن الفترة الانتقالية بين القرار الداخلي لبنديكت بالتنحي تحت وطأة مشاكل صحية لم تعد تمكنه من القيام بواجباته على النحو المطلوب، وتولي فرانسيس منصب البابوية، في الوقت الذي جاء يطلب فيه، أيضاً، اعفاءه من منصبه الديني في الأرجنتين.

 يعج الفيلم بالرسائل والمعاني المتباينة عن منظور بنديكت المتشدد للدين، ورحابة أفق فرانسيس الذي لا يرى تعارضًا في كونه قِسا يتابع مباريات فريق الأرجنتين لكرة القدم بحماس، وتشجعه جماليات وإبداعات مارادونا على إطلاق آهات الإعجاب والقفز فرحًا حال تسجيل الأهداف. أو يجد نفسه يدندن بأحد أغنيات موسيقي الروك خاصة لفرقة Abba السويدية ذائعة الشهرة في السبعينات والثمانينات، أو يطلب وجبة بيتزا مع مشروب غازي من أحد المطاعم القريبة من الفاتيكان عِوضًا عن الطعام الرسمي المعتاد تقديمه للكهنة ورجال الدين.

 مفارقات عدة قدمها الفيلم، حملت معاني ودلالات عن كيف يتحول الدين إلى وسيلة للاستمتاع بمباهج الحياة والتفاعل معها، رأى فيها بنديكت تنازلاً من جانب رجل دين في مكانة فرانسيس، فيوضح له الأخير (لم أتنازل .. فقط تغيرت). فارق كبير جعل بنديكت يراجع نفسه مرات ومرات فيُقدم من دون حَرَج على رفع غطاء البيانو العتيق وعزف أغنية (Yellow Submarine) لفريق الخنافس الإنجليزي !!. تصرف كإنسان.

 في روايته (جزيرة غمام) قدم الكاتب عبد الرحيم كمال نماذج مختلفة لمفهوم الدين؛ فالثلاثة الذين تعلموا على يد الشيخ مَديَن طبقوا التعاليم الدينية بشكل مختلف؛ جعلها الشيخ يسري أداة لحصد المال من خلال الدجل والشعوذة، واستخدمها الشيخ محارب أداة لإرهاب أهل القرية واكتساب مكانة اجتماعية، وبقي عرفات -الذي ورث من شيخه مسبحته وكراسته- يعمل بالنجارة وينشر المحبة بين القلوب، يعلم الصغار، وينفعل بالجمال، ويحنو على المخطئ ويحثه على التوبة، ويؤكد أن وضوء الروح سابق على وضوء البدن قبل الدخول في الصلاة.

 يُحكى أن رجلي دين اعترضهما نهر في رحلة سفر، ما كان لهما أن يصلا إلى مقصدهما دون عبوره، وما عبوره بالشيء العظيم، كانت القضية في وقوف سيدة عند حافة النهر، تريد اجتيازه وتخشى الغرق، دار حوار عميق بين الرجلين بداية من أيحق لهما الحديث مع المرأة والنظر إليها وانتهاءً بكيف يساعدانها على العبور دون مسها، أفتى أحدهما بترك المرأة عند الجسر دون مساعدة، وأوضح له رفيقه أن تركها يعرضها لخطر اللصوص وإن حاولت العبور وحدها غرقت، فتركه الأول ومضى يعبر النهر وحده، وتبعه الثاني حاملاً المرأة بين ذراعيه، حتى إذا ما وصل الشاطئ شكرته وانصرفت، بينما راح رفيقه يلومه ويعنفه على فعله، فرد عليه (لقد حملت المرأة بين ذراعي وأنزلتها عند الشاطئ وانتهى الأمر، أما أنت فما زلت تحمل المرأة في رأسك). تفاوت صارخ في الفهم والتطبيق.

 كان فضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ المجددين، رحمه الله، يرد على المتشددين (دلوني على خير ينفع الناس وأنا أدلكم على سنده في الكتاب والسنة). وكأن سماحته يؤكد أن جوهر الدين خدمة تابعيه، فإن شَقِى الأتباع ففي فهمهم العلة. ومن ثم تغير البابا فرانسيس ولم يتنازل، وصار عرفات روحًا تسري في الجزيرة بالسعادة والجمال.

 يقول المسيح "أحبوا أعداءكم". يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "أفشوا السلام".

[email protected]

 

 
  •  
  •  
  •  
  •  
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة