Close ad

التاجر والمستهلك.. علاقة صراع أم تكافؤ؟!

12-1-2023 | 09:49

لابد للتاجر من رفع قيمة سعر المنتجات؛ هكذا فاجأني صديقي العزيز؛ ولأني لم اعتد منه اتخاذ موقف الدفاع دون مبرر؛ فاستوقفني ما يقول؛ وانتبهت جيدًا؛ ثم سألت لماذا؟

وهنا بدأ الحديث يدخل في منحى آخر؛ فقد قال؛ على سبيل المثال؛ التاجر رأس ماله تقريبا 100 الف جنيه؛ يشترون له بضاعة قدرها 50 عبوة؛ مع هذا التضخم الكبير؛ وانخفاض قيمة العملة المحلية؛ يسعى التاجر للحفاظ على مجموعة العبوات لتظل في حدود الـ50؛ وهنا يرفع السعر بين الحين والآخر؛ لتظل كمية البضاعة كما هي؛ ومن ثم يستطيع تحقيق الأرباح المطلوبة ليستمر.

والتاجر على قناعة تامة؛ بأن هذا هو السبيل الأوحد لتعويض الفارق؛ وتحقيق الربح؛ ولا مناص من ذلك؛ حتى الاقتراب من فكرة البحث عن بديل آمن غير واردة؛ لأنها ستفتح أبوابًا لا ناقة له بها؛ ولا سبيل لمناقشة أي أفكار قد تقلل من أرباحه؛ فهي السند الوحيد للاستمرار.

أنهى صديقي حديثه؛ ثم قلت له؛ وماذا عن المستهلك؛ الذي لم يزد دخله؛ وكان بالكاد يكفيه قبل أزمة التضخم التي ضربتنا؛ هو أيضًا لا يملك إلا هذا الدخل؛ وكان يجاهد ليدبر له احتياجاته؛ وبات عليه البحث عن سبيل آخر ليغطي الفارق بين دخله؛ وبين قيمة احتياجاته التي ارتفعت بشكل مضاعف؛ فما السبيل؟ ولماذا لا يعي التاجر تلك النقطة المفصلية في علاقته بالمستهلك؛ فالعلاقة بينهم؛ علاقة تبادل منفعة؛ لا غنى لأحد منهم عن الآخر؛ فبدون المستهلك؛ لا تاجر ولا تجارة؛ وأيضا بدون التاجر لا وجود للاحتياجات.

على سبيل المثال أزمة ارتفاع أسعار الدواجن؛ أزمة كبيرة جدًا؛ لأنها مرتبطة بمنتج يحظى باهتمام كل المستهلكين على السواء.

أولًا؛ عدد المستهلكين متباين؛ فعندنا من يقومون بتربية الدواجن؛ جزء لسد الاحتياجات؛ وآخر لتحقيق ربح؛ وللحقيقة لا أعرف كم نسبتهم؛ ولكنهم بكل تأكيد عدد كبير للغاية ليس فقط في المناطق الريفية؛ أو في ظهورها؛ ولكن أيضا في مناطق متفرقة كثيرة.

ثانيًا؛ مبررات رفع أسعار الدواجن واهية وغير مقنعة لكل المستهلكين؛ وأضحى الحل الأمثل لعدد كبير منهم هو الامتناع عن الشراء؛ ورويدًا رويدًا؛ يقل الطلب على الدواجن؛ حتى تبدأ الوحدات الصغيرة التي تقوم بالبيع المباشر للناس بالغلق؛ لقلة الطلب؛ وتوفيرًا لنفقات التشغيل.

فيكتشف كبار تجار الدواجن؛ أن هناك تراجعًا واضحًا وحقيقيًا؛ في الطلب؛ فيصبحون بين بديلين كلاهما مر؛ الأول؛ الاستمرار في رفع السعر؛ حفاظًا على كل المكتسبات التي يتم تحقيقها؛ وهذا البديل من شأنه أن يزيد الطين بلة بالنسبة لهم.

أما الثاني؛ هو النزول بالأسعار لحد يلامس مقدرة الناس على الشراء؛ وهنا تتكشف الحقيقة للرأي العام؛ ويعي أنهم كانوا يتاجرون بدماء الناس؛ من تحقيق أرباح؛ لا يمكن لتجار الممنوعات من تحقيقها.

فتتكون صورة ذهنية هي الأسوأ عنهم على مر التاريخ؛ وأعتقد أنها صورة ستظل عالقة بأذهان الناس لفترات طويلة؛ بل قد يلحق بهم صفات لا يحبون أن يتصفوا بها.

هذا كان مثال يمكن إطلاقه على تجار متنوعين؛ يبيعون بضائع تتكدس بها مخازنهم منذ سنة تقريبًا؛ يرفعون أسعارها يومًا؛ بعد يوم لنفس المبرر الواهي.

لكل تاجر؛ يخشى خسارة جزء من رأس ماله بسبب أزمة التضخم؛ أرجو أن تعي؛ أنك تبيع لمستهلك هو أيضًا يعاني من نفس الأزمة؛ وفقد النسبة الأكبر من رأس ماله؛ ولم يعد يستطيع الشراء؛ ومن ثم نحن على أبواب حالة من الركود الجماعي؛ فيها تبدأ الوحدات الصغيرة في الإغلاق؛ لعدم القدرة على دفع نفقات التشغيل؛ وذلك في ذاته كارثة؛ لأنه يعرض حياة عدد كبير من العمالة المؤقتة للخطر والخطر الداهم.

إننا في أوج أزمة طاحنة لا يعلم مداها إلا الله؛ ولا حل لعبورها إلا بتكاتفنا جميعًا؛ ودون ذلك نحن نقف على فوهة البركان.

وفي المقال المقبل نعرض لوجهة نظر في تلك الأزمة.

،،، والله من وراء القصد

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الرحمة

أيام قلائل ويهل علينا شهر رمضان المبارك؛ وأجد أنه من المناسب أن أتحدث عن عبادة من أفضل العبادات تقربًا لله عز وجل؛ لاسيما أننا خٌلقنا لنعبده؛ وعلينا التقرب لله بتحري ما يرضيه والبعد عن ما يغضبه.

البنوك.. نقاط سلبية دون مبرر

البنوك.. نقاط سلبية في منظومة التطوير