Close ad

رحل بيليه وبقيت رسائله

8-1-2023 | 15:40
الأهرام المسائي نقلاً عن

حاز الفتى الفقير الذي لم يكن باستطاعته شراء حذاء يحفظ قدميه جائزة القدم الذهبية. كان من الممكن أن تسير حياته كما سارت حيوات ملايين غيره عاشوا بمدينة تريس كاراكوس البرازيلية بولاية ساو باولو. عبروا من دون أثر.

 قاده عشقه للساحرة المستديرة إلى اللعب بكرة شراب محشوة بالورق وقصاصات القماش، ودفعته مهاراته للعب مع آخرين يكبرونه بأكثر من عشر سنوات.

 عليك السعي لحين وصولك إلى لحظة الاكتشاف والتوهج. لا شيء يأتي فجأة.

 اضطر الفتى إدسون آرانتس للعمل كخادم في العديد من المطاعم ليتمكن من تدبير نفقاته، ولعب الكرة في الصالات المغلقة، وعندما حاز لقب الهداف ناداه أصدقاؤه (بيليه).

 في عام 1956 سافر به مدربه للاختبار في نادي سانتوس وهناك قال عنه مدرب الفريق (سيكون أعظم لاعب كرة قدم في العالم)، وقد كان. ضمه المدرب إلى فريق سانتوس الأول وعمره خمسة عشر عامًا فقط، ليبدأ منعطفًا كبيرًا في حياته الكروية. كان مختلفًا.

 حاز لقب هداف الدوري وعمره ستة عشر عامًا، وفاز مع فريقه بالبطولة، واستدعاه مدرب المنتخب البرازيلي ليشارك في نهائيات كأس العالم 1958 بالسويد، ليسجل هاتريك في مباراة فرنسا، وهدفين في النهائي مع السويد، صاحبة الأرض، فضلاً عما صنعه من أهداف أخرى. ستة أهداف في أربعة مباريات لعبها، توجته بعدها الصحافة كثاني أفضل لاعب في البطولة.

 مع توالي البطولات المحلية والدولية فرض بيليه شهرته على الجميع. كان فذًا بحق. ليس لأنه كان يسجل العديد من الأهداف، ويفوز بالبطولات، بل لأن الكثير من تلك الأهداف يصعب على غيره تسجيلها. المثابرة وعدم الاستسلام وسرعة البديهة والتمريرات الذكية لزملائه في الملعب، كانت خلف تميزه. ورغم شهرته الواسعة لم يتعال على أحد، كان واحدًا منهم. واضطر لاستكمال بعض المباريات وهو يعرج جراء استخدم لاعبو الفرق المنافسة العنف معه.

 في مسيرة حياته، تحول بيليه إلى أيقونة ضد التفرقة العنصرية، ونعتته الصحافة (الجوهرة السمراء). تجاوز بالمشاهدين حدود التسلية وقتل الفراغ إلى المتعة والإثارة واستعراض فنون الكرة. سخر جانبًا كبيرًا من دخله للقرية الفقيرة التي جاء منها. كان يعلم أن فيها ألف ألف بيليه ينتظرون لحظات التوهج ويحتاجون المساعدة. كان إنسانًا، لديه مساحات بيضاء يتباهى بها، وسوداء يخفيها، وأخرى رمادية، بين بين.

 لم يتوقف الانبهار به عند حدود تواجده في الملعب، استمرت موجات التكريم حتى آخر سنوات حياته. كان قدوة ورمزًا يتمتع بذكاء اجتماعي شاركه فيه العديدين من ممثلي الرياضات المختلفة؛ رفض محمد علي كلاي أسطورة الملاكمة في الوزن الثقيل الالتحاق بالخدمة العسكرية اعتراضًا على غزو أمريكا لفيتنام. وحول محمد صلاح حلمه إلى واقع، كان على يقين أن خطوة واحدة للأمام أفضل من الانتظار. وكذلك فعل السنغالي ساديو ماني.

 وبينما اكتفى بيليه بمنصب وزير الرياضة لأربع سنوات ذهب جورج ويا لاعب المنتخب الليبيري لأبعد من ذلك. احترف في سن مبكرة، كانت قدماه على الكرة وعيناه على المستقبل، وكان بيليه نموذجه الرياضي الأول. خسر جورج انتخابات الرئاسة عام 2005، ثم عاد وفاز عام 2017. صار رئيسًا.

 خلف كل منهم قصة وفاء لمسقط رأسه. وقفوا إلى جوار البسطاء. ونثروا قطرات الأمل في حقول الحياة الجافة.

 رحل بيليه أسطورة كرة القدم وظلت رسائله الإنسانية باقية؛ عندما يمنحك الله نعمة انتبه لحق الآخرين فيها، قوتك في وقوفك إلى جانب الحق، صوتك بالحق يعلو كل ما حولك من ضجيج، ولو بعد حين، تأكد أن قيمتك الإنسانية أعلى من كل المناصب.

[email protected]

 

 
  •  
  •  
  •  
  •  
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة