Close ad

أزمنة اللامعقول واللامتوقع

7-1-2023 | 13:41

المنهج اللامعقول في الفن والمسرح منهج قديم خرج من عباءة السرياليزم، وبات رافدًا من روافد الفن والأدب وشكلًا من أشكال المسرح التجريبي الذي يفتح المجال أمام كل ما هو غريب ومختلف.
 
ومعنى أن يكتب الأديب أو الفنان ما هو "لا معقول" أنه يجنح نحو الجنون والفوضى اللغوية، رغم كونه يستهدف الفكر والعقل استهدافًا مكثفًا مركزًا ملتفًا، هو فقط يستخدم أسلوبًا من الفوضى الأدبية واللونية والأدائية لحث الفكر على تنظيمها في عُقد فكري ذي جوهر ومغزٍ.
 
  هكذا أفضت الفوضى الفكرية إلى نظرية جريئة نشأت لتبحث إمكانية استخدام الفوضى كنوع من القناع الزائف "كاموفلاج" يخفي نظامًا متكاملًا معقدًا خلفه.
 
نشأت تلك النظرية في معامل مختبر "لوس آلموس" - في "نيو مكسيكو"- الذي جُلبت له التقنيات الأحدث والحواسيب الخارقة "super computers" والمسرعات الجزيئية والتقنيون يسيرون بين الناس بهندامهم الأكاديمي اللافت كالأشباح يذرعون الطريق جيئةً وذهابًا، والغرض مجهول، فكان أكثرهم إثارةً لعلامات الاستفهام هو (ميشيل فاينبوم) حالة خاصة متفردة من الذكاء الغرائبي، لم ينشر سوى ورقة علمية يتيمة رغم كونه الأكثر نشاطًا بين مائة من عباقرة الفيزياء النظرية يشغلون أروقة "القسم تي" الذي يعد بؤرة العمل الذهني المجرد! رأوه يعمل طوال اليوم بلا انقطاع معتبرًا أن الأربعة وعشرين ساعة يوميًا لم تعد كافية لأفكاره المزدحمة، رآه رجال الشرطة يذرع الطرق في المساء بسيارته يحرق أعقاب السجائر وهم يتابعونه في حيرة وفضول وشغف، تساءل مديروه حول الفترات الطويلة لغيابه عن العمل كأنه ينسى أحيانًا أين هو؟
 
وفي النهاية عندما وجده مديره بالصدفة في المعمل وقد كان يهم بالانصراف لم يسأله أين كان؛ لأنه فهم بداهةً أنه إنما ينشغل بصوغ فكرة مما يعتبرها علماء الفيزياء "عميقة"! بل سأله: "لماذا لا تستخدم ذكاءك في حل مسألة اندماج أشعة الليزر؟" في محاولة مكشوفة لحثه على البوح بما يشغل ذهنه المكدود.
 
هنا كان البوح بفكرة غامضة غير مكتملة ما لبث أن تحمس لها جميع زملائه رغم غموضها وانكبوا على تفكيك شفرات تلك التساؤلات التي بدأ فاينبوم يطرحها عليهم: هل يسير الزمن كالنهر من البداية للنهاية أو هو كالكميات المنفصلة المتتابعة كالصور السينمائية المستقلة لتصنع بفوضاها المصطنعة فيلمًا زمنيًا كونيًا متقنًا ومتصلًا إلى غاية؟!.. ماذا عن قدرة العين على رؤية الأشكال والألوان منسجمة متناغمة في كون يصفه الفيزيائيون بالفسيفساء؛ حيث الصور كالزجاج الملون تتغير ألوانه وانعكاساته باستمرار؟!...
 
تلك الغيوم تبدو من نافذة الطائرة أثناء عبورها فوق التلال القريبة من مختبر لوس آلاموس كالغشاوة فوق عيون البراكين الخامدة في تشكيلات تبدو عشوائية، لكنها ليست كذلك إذ هي فجأة تتجمع وتتحدد في شكل الأسنان أو الضروع، وهي ترتقي في الطبقات وتعترض طريق الضوء فتقصمه وتكسره وتثير الكهارب والبروق.. هل يمكن أن يقال حينئذٍ أنها ظواهر عشوائية؟!
 
السؤال المعقد الذي تَجنب علماء الفيزياء طرحه؛ لأنه يمثل ملمحًا مشوَّشًا حافلًا بالتفاصيل لا يمكن توقع مآلاته.. هكذا نشأ التحدي الذي خاضه فاينبوم وزملاؤه بشجاعة تقترب من حد التهور لمدة تقترب من عشر سنوات كاملة ملأى بالمعادلات والاستنتاجات التي أفضت لبروز نظرية الفوضى في شكلها النهائي. 
 
ومن ذلك المعمل الذي خرجت منه فكرة نظرية تبدو للبعض سخيفة غامضة، تلقفها علماء آخرون باهتمام غير طبيعى، وعلى ضوئها الباهت اكتشف علماء الفسيولوجي أن الاضطراب العشوائي الذي يصيب كهربية القلب فيوقف عمله ويؤدي للموت هو في حقيقته منتهى التناسق الأدائي، وله تفسير منطقي يمكن عكسه وعلاجه.. 
 
وغاص الاقتصاديون رجوعًا في تاريخ أسعار الأسهم وأخضعوها لنمط جديد من التحليل القائم على هندسة الفوضى.. ودرس علماء الإيثولوجي والبيئة أنماط التقلب والتحور في أعداد الفراش الغجري في أماكنها.. 
 
وعكف بعض علماء الرياضيات في جامعة بيركلي في ولاية كاليفورنيا لتقصي ما يدعى بالنظم الديناميكية؛ حيث درسوا السلوك المعقد في النماذج الحركية البسيطة، وانهمك معهم مختصون في علم الهندسة من شركة "آي بي إم" في تأمل عالم مدهش من الأشكال الهندسية المتداخلة والمتعرجة للخروج بأنماط هندسية رغم فوضاها لها نظام.
 
ثم جاء أحد العلماء الفرنسيين في الرياضة الفيزيائية ليؤكد أن الاضطراب في حركة السوائل يمكن تفسيره عبر مفهوم تجريدي معقد أَطلق عليه اسم "الجاذب الغرائبي"!..
 
هكذا طار مصطلح "الكايوس" (Chaos) كالدخان في حركة متصاعدة تغزو المنتديات العلمية وأروقة معامل البحوث في كل مكان، وتم تأسيس "مركز الدراسات عن الظواهر غير المنظمة" كمعمل ملحق بالفيزياء النظرية في لوس آلموس، وخصص الجيش الأمريكي والسي آي إيه ميزانية لأبحاث نظرية الفوضى! ومن هنا بدأت الجهود تتعاظم حتى رأينا تقنيات في الكمبيوتر نابعة من عباءة تلك النظرية كالصور الجرافيكية ذات اللاقط الحساس والقادرة على صياغة ظواهر تشكيلية معقدة.
 
وسرعان ما صيغت مصطلحات جديدة مثل "الفراكتال، أي الأشكال التكرارية المغيرة" و"الجواذب السابحة" و"حل شفرة اللون" و"قياس الإيقاعات الداخلية غير المتوقعة" و"الهندسة الطبيعية والبشرية" و"أثر جناح الفراشة".. 
وهذا المصطلح الأخير بالذات بات كالمثل العالمي الشائع حيث طارت معه مقولة شائعة وغريبة هي: "أن رفة جناح فراشة فوق بكين تستطيع أن تغير نظام العواصف فوق نيويورك"!
 
لقد ذهب المتحمسون لهذا المنهج العلمي الجديد إلى القول بأن القرن العشرين لن يُذكَر إلا بسبب (3 نظريات) هى: النسبية والفيزياء الكمية ونظرية الفوضى، حيث بددت النظريات الثلاث علوم وأحلام نيوتن عن القياسات الدقيقة الحاسمة، وعن أوهام المكان والزمان المطلقَين، وعن إمكان التوقع المحكَم والحتمي للأشياء والتفاعلات البسيطة.
 
تلك الفورة العلمية المسماة نظرية الفوضى أجبرت علماء الفيزياء على إعادة النظر في كثير من الثوابت والمعادلات العلمية ما أفضى إلى نظرة تنسحب من تأمل المكونات الصغرى للمادة كالكوارك والجينوم والنانو إلى البحث عن صورة أشمل وأعم، صورة تعبُر الفواصل الوهمية بين الاختصاصات العلمية؛ ليظهر حديث جديد عما يُدعَى "النظرية الشاملة" التي تفسر كل شيء!
 
اقتناص الفرصة
 العالم اليوم على صفيح ساخن.. حروب وكوارث وأوبئة وأزمات اقتصادية وفواجع وأحداث مهولة تزداد سخونة يومًا بعد يوم، لدرجة أن الناس عقب كل حدث يهبون منذرين أننا نشهد أحداث نهاية العالم!
 
القوى الكبرى الآن مشغولة بنفسها وببقائها، وكانت منذ سنوات قليلة مشغولة بنا وبمنطقتنا حتى بدأت أمريكا تسحب قواتها وقواعدها العسكرية من العراق وألمانيا ومن كل مكان في العالم؛ لتركز وجودها حول الصين وبمتاخمة الحدود الروسية.
 
بينما انشغل التنين الصيني والدب الروسي كلاهما بحروب وصراعات على كعكة النفوذ وقيادة العالم، حتى أوروبا خرجت من وباء كورونا منهكة لتجد نفسها أمام مواجهة عسكرية ممتدة مع آسيا..
 
تلك إذن هي اللحظة المناسبة لفك السلاسل والقيود التي تكبلنا منذ عقود للمستعمرين وأذنابهم وآثارهم التي تركوها خلفهم تفسد علينا حياتنا وفي مقدمتها شبكة جهنمية شيطانية من القوانين الاستعمارية الفاسدة.
 
علينا أن نهتبل الفرصة السانحة خاصةً وأننا تأثرنا كغيرنا من شعوب العالم بالأزمة الاقتصادية العالمية، لن تستطيع أي دولة الخروج من بوتقة تلك الأزمة الخانقة إلا بقانون ونظام يحول الرعية من شعب مستهلك إلى شعب منتج، ومن حالة الخوف والهلع إلى انشغال وعمل لا ينقطع، ومن سلوكيات سلبية خانعة إلى سلوكيات إيجابية شجاعة.
 
أستطيع أن أؤكد قدرة مصر على الخروج من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية من خلال إتقانها لصياغة منظومة قوانين وقواعد تشريعية وطنية تقود الشعب نحو تنمية حقيقية ذات أساس متين.
 
[email protected]

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: