Close ad

غيبوبة.. فن الاعتراض

8-1-2023 | 13:19

البعض لا يجد نفسه ولا متعته إلا في "رداء الذبابة" ينظر حوله باحثًا "باجتهاد" عن أقبح الأشياء يلعقها ويمسح عنها الأتربة ليراها الناس، ليس لتحقيق فائدة، لكنه يعشق "جلد الآخر".

والبعض تدفعه فطرته السليمة إلى "رداء النحلة" ينظر حوله فتقع عيناه ويتعلق قلبه بأجمل الأشياء، يضيف إليها أفضل ما يملك ويقدمها للآخرين عسلًا شهيًا، هؤلاء من يعشقون البحث عن "أفضل ما لدى الآخر". 

لا أدري ماذا نطلق على ما يفعله هؤلاء، هل أقول "المرار الطافح" أم "حب الظهور" أم "الاعتراض من أجل الاعتراض".. لا أدرى!! الاعتراض في حد ذاته وأيا ما كان لا يؤرقني، على العكس أنا أعتبره ظاهرة صحية معناها أننا نفكر، ولكل واحد وجهة نظر ورأي، لكن المرار الطافح يظهر ويسطع دومًا في الأسلوب والطريقة التي يعبر بها الشخص عن اعتراضه، الأسلوب الذي يمكن أن يتسبب في إحباط الآخرين وإعراضهم عن إبداء أية وجهة نظر في المستقبل حتى لا يتعرض للاستهزاء والسخرية، خاصة إذا جاء ذلك من شخص لا يمكنك الرد عليه.

علمنا أساتذتنا أن هناك أسلوبًا يسمى "العصف الذهني" الغرض منه توليد أكبر قدر من الأفكار والبدائل، ثم اختيار أفضلها لحل مشكلة معينة، وخبرتي مع ذلك - كوني مدربًا - أنه على الرغم من إبداء المتدربين استعدادهم دومًا للقيام بالعصف الذهني، وأنه لا مشكلة في ذلك وكأنه سلوكهم الطبيعي في حياتهم اليومية؛ سواء في البيت أو العمل، إلا أنني فور البدء في التدريبات أجدهم وقد قاطعوا بعضهم البعض أثناء المناقشات، وربما وصل الأمر إلى الشجار.

وملاحظتي في أغلب الأحوال أن المشكلة لديهم تعتبر مشكلة عادة وسلوك ورثوه في المناقشة وإبداء الرأي؛ سواء من المنزل أو المدرسة أو العمل، تعلموا أن مقاطعة الآخر هي سلوك طبيعي و"عادي جدًا" لإبداء الرأي، وعند اختلاف الرأي لا مانع من إظهار الآخر على أنه لا يفهم شيئًا، وأن رأيه "عبيط" لا يستحق أساسًا المناقشة.

ولطالما أفهمتهم أن أول قاعدة من قواعد العصف الذهني هي عدم مقاطعة الآخر عندما يتحدث، أتركه يعرض كل أفكاره مهما بدت لك تافهة ومتخلفة؛ لأن تلك الفكرة التافهة - في نظرك - يمكن أن نأخذ جزءًا منها وننقحه ونجعل منه الحل الأمثل للقضية محل النقاش، فماذا كنا نفعل إذا استهزأنا بقائلها وتوقف عن عرضها؟ بالطبع كنا سوف نفقد الحل الأمثل للمشكلة.

المريع والفظيع أن هناك اشخاصًا يعترضون من أجل الاعتراض وحب الظهور، هو يميز نفسه بمخالفة الآخرين، وإذا حاولت مناقشته فلن تجد إلى ذلك سبيلًا، هو غير مستعد للإنصات أو الاقتناع بأي شيء يخالف رأيه.. لا تتعب نفسك مع هؤلاء.. اتركه واستمر في طريقك ربما نجح الوقت والظروف في تغيير أسلوبه.

عايشت أسلوب الاعتراض في أماكن مختلفة، رأيت من يبادر وبدون تردد في توجيه رصاصته إلى من أمامه قائلًا "لأ.. غلط.. ما ينفعش"، وربما أضاف بعض التوابل الحارة إلى كلماته لتدمر من أمامه تدميرًا على غرار "ما هذا؟ هل تظن نفسك خبيرًا عالميًا؟.. خلاص انتهينا".. وهكذا!! وهناك من كان يتبع أسلوب "ألا ترى أنه قد يكون من الأفضل أو المناسب أن نفعل كذا وكذا ...إلخ" دون أن يخوض فيما قلته، هو يعترض من خلال تجويد وتنقيح فكرتك.

هناك أسلوب للاعتراض يسبب عقدة!! وأسلوب يفتح آفاقًا للإبداع.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: