Close ad

الثقافة والمثقفون

6-1-2023 | 21:20

نظمت مكتبة الإسكندرية مؤتمرها الذي يعقد في نهاية كل عام مع المثقفين المصريين بحضور كوكبة من المفكرين وكبار المسئولين، لبحث القضايا التي تؤرق الوجدان والعقل داخل هذا الوطن على مدى يومين، هذا العام كان بعنوان "الثقافة والمثقفون آفاق جديدة"، وكان هذا اللقاء الأول مع الدكتور أحمد زايد مدير المكتبة الجديد خلفا للدبلوماسي والمفكر الكبير الدكتور مصطفى الفقي، والدكتور زايد، عالم الاجتماع السياسي، يعمل بدقة وصمت وهو الأكثر انشغالا بخطاب الحياة اليومية المصرية، كان عميدًا لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وشغل عضوية مجلس إدارة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ولجنة الدراسات الاجتماعية بالمجلس الأعلى للثقافة، ونائبًا لرئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، والمستشار الأكاديمي لبرنامج بحوث الشرق الأوسط بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، تولى رئاسة تحرير مجلة إضافات، التي تصدرها الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وأيضا شغل عضوية الاتحاد الدولي لعلم الاجتماع، والجمعية العربية لعلم الاجتماع، ولجنة الدراسات الاجتماعية بالمجلس الأعلى للثقافة، ونائبًا لرئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع. 

وإذا كان علم الاجتماع يعد من أهم العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة العلاقات بين الأفراد والمجموعات، والتحولات والظروف التي تمر بها المجتمعات وتؤثر فيها، فهذا العمق ظهر جليا في كلمة الدكتور زايد حين تحدث عن رؤيته حول الثقافة بشكل عام، بداية من كيف تعرف الثقافة، والحق فى الثقافة، الذى لا يتحدث عنه الكثيرون على الرغم من أنه أصبح مفهومًا عالميًا مثل حقوق المواطنة والتعليم والصحة، وكذلك الحق فى المعرفة فبدونها لا توجد ثقافة، فأي شخص فى المجتمع له الحق فى المعرفة، خاصة من يعمل فى مجال الثقافة والإبداع، وألا تستخدم الثقافة من أجل الوصاية، وأن تكون مستقلة خاصة ممن يعتنقون أيديولوجية واحدة، فالاستقلال يدفع الإبداع والتجدد الفكري لبناء الأمم، ويجب ألا تسعى الثقافة إلى الربح لأنها ستفقد قيمتها إذا سعت للتربح!، وعبَّر عن دور الثقافة في بناء الأمم وشبهها بالأسمنت الذي يحافظ على هوية الأمة وتماسكها.

وتطرق إلى نقطة غاية في الأهمية وهي ضرورة ألا تتحول العلاقة بين صناع الفكر والإبداع إلى صراع واستبعاد، لتكون هناك ثقافة راقية تمكن المجتمع من تكوين عقله ومنهجه. 

وحول رؤيته لمكتبة الإسكندرية، أكد أن دور المكتبة أولا هو التعددية والتقاء الحاضر بالماضي، والنطاق الثانى أن مصر حاضنة الحضارات ودور المكتبة سيكون تقديم نموذج إنسانى مصرى للعالم، والنطاق الثالث هو الإقليم العربى فهو الظهير الثقافي، ولذلك تسعى المكتبة للتعاون الثقافى العربي، وأخيرًا النطاق العالمى؛ حيث تسعى المكتبة لتصدير فكرة أن الثقافة مصدر للسلام والتنمية المستدامة - وفي رأيي أن تحقيق هذه الرؤية سيعيد للمكتبة رونقها ودورها المنشود.

ومن الأفكار الرائعة التي طرحها دكتور زايد أيضا بدء تنفيذ فكرة "مكتبة التراث الإنسانى للنشء" لتلخيص التراث الإنسانى في الفكر والأدب والتاريخ والعلوم والفلسفة، شكسبير وفولتير وكانط والعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وتولستوي وابن سيناء والخوارزمي.. في كتيبات صغيرة وبأسعار زهيدة، وقد يستغرق تنفيذ المشروع ما بين ٣ و ٤ سنوات لإنتاج ما يقرب من ألفي كتاب مختصر، هذه الفكرة تواكب الزمن الذي نحياه، فشباب اليوم يلهث بسرعة ويريد أن يصل للمعلومة في دقائق معدودة.. 
 
  ومن أهم التوصيات التي أثمرت عنها الجلسات المتوازية التي ناقشت قضايا الأدب والفن والإنتاج الفكري والفلسفي وحماية التراث المادي وغير المادي، إلى جانب الثقافة المصرية في أبعادها الإقليمية والدولية، المناقشات التي ركزت على أهمية الإنتاج الفكري بوصفه مؤشرا على ثلاثة أشياء ضرورية للمجتمع، أولا أن الإنتاج الفكري وازدهاره علامة على حيوية المجتمع.

ثانيا: إن الإنتاج الفكري يبين هل المجتمع يعيش مشكلات عصره أم يعيش مشكلات عصر سابق؟ كما يمكن للإنتاج الفكري أن يدلنا كذلك على وعينا بالمستقبل، وهل سنجد الاستجابات الملائمة للتحديات التي يطرحها المستقبل أم لا؟ 

ثالثا: لابد من طرح قضايا العصر من خلال مبادرات للتفكير المشترك وليس التفكير الفردي، وأن تكون هناك مجموعة تفكر في قضية واحدة من خلال الحوار بما يسمح بالتحول من النقل إلى النقد.
 
  لقد كانت مكتبة الإسكندرية القديمة منذ فجر التاريخ منارة للعلم، وعندما طرح المؤرخ وعالم الآثار مصطفى العبادي، فكرة إعادة إحياء مكتبة الإسكندرية مرة أخرى، كان يسعى إلى إنشاء صرح ثقافي قادر على استعادة دور المكتبة القديمة التي شكّلت على مدار ثلاثة قرون منارة للعلم والثقافة في العالم القديم، وبالفعل أنشئت المكتبة عام 2002 بدعم من منظمة اليونسكو، فقد كانت المكتبة نافذة لمصر على العالم، ونافذة للعالم على مصر، ورسخت دورها كمؤسسة رائدة في العصر الرقمي، بالإضافة إلى كونها مركزًا للحوار والتعلم، وتم هذا بقيادة الدكتور إسماعيل سراج الدين.
   
نجاح المؤتمر، مع نهاية عام وبداية عام، مؤشر إلى الدور الجديد المنتظر من مكتبة الإسكندرية بقيادة الدكتور أحمد زايد في هذا الوقت الدقيق للنهوض بالثقافة، وإعادة المثقفين إلى الحوار والتواصل والاقتراب من الواقع، وتقريب وجهات النظر وطرح المشاكل والقضايا المختلفة، وبناء أرضية مشتركة بين المثقف والمواطن والدولة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة