Close ad

"ثومة" والأسطورة

31-12-2022 | 11:00

يرى الكثيرون "ثومة" كأسطورة وهم محقون؛ وأسطورة كلمة مشتقة من "إستوريا" اليونانية وتعني حكاية غير حقيقية، ربما لندرة تكرارها..

ولدت فاطمة إبراهيم البلتاجي "اسم أم كلثوم الحقيقي" في 31 ديسمبر 1898، وتوفيت في 3 فبراير 1979..

بدأت سلم الغناء من أوله وهي طفلة صغيرة في السابعة من العمر وطافت في القرى والمدن، وتعلمت في كُتاب القرية ثم في المدرسة التي كانت تبعد عن بيتها ثلاثة كيلومترات تمشيها يوميًا ذهابًا ومثلها إيابًا..

كان والدها يعلم شقيقها الإنشاد وهي تستمع؛ وفوجئ بها يومًا تُنشد وهي تلعب بعروسة صنعتها لها جدتها؛ فأعجب بصوتها وطلب منها الغناء معه؛ فرفضت، ثم وافقت بعد أن وعدها بأنه سيعطيها حلوى "المهلبية" بعد الغناء..

رفضت منذ صغرها غناء كلام مبتذل وأحبت غناء القصائد وسعدت بها رغم عدم فهمها لما تغنيه..
احترمت الموهبة ونفذت كلام أديسون: "نسبة الموهبة 1% والـ99% بالمثابرة والجهد والصبر فهم أساس النجاح"، وتجنبت المعارك الجانبية حتى لا تستنزفها، ووضعت حدودًا مع الإعلام وحافظت على خصوصياتها وتعاملت بحزم مع الإساءات..

انفتحت على الجديد، ولم تصر على ما اعتادت فعله، وقالت: "من يحس أنه عمل أحسن حاجة سيكون هذا آخر ما يصل له".

لم تنغلق على نفسها ومارست العمل التطوعي لم تسمح للغرور بالتسلل، وعلمت نفسها وقالت: "من ير خطأ يجب أن يرفضه ويقاومه، ومن يعمل بضمير يؤدي خدمة لنفسه ولوطنه".

عندما تسمعها وهي تحكي ذكرياتها؛ تشعر "برضاها" عن كفاحها بلا أية مرارة واعتزازها به، وقولها إنه بسبب هذه الجولات بأنحاء مصر عرفها الناس واشتروا أسطوانتها، وبعض هذه الحفلات كانت على ظهر دواب بالذهاب، ثم سيرًا على الأقدام في العودة لامتناع أصحاب المناسبة عن الوفاء بوعدهم لإعادتها بالدواب!!

من أهم أسرار النجاح ما قالته أم كلثوم وهي في قمة نجاحها وشهرتها: "عمري ما كنت بتوقع أي حاجة قبل ما تحصل، باخاف أعمل حاجة ما تعجبش الجمهور"؛ فالثقة الزائدة بالنفس "وتوهم" أن كل ما نفعله سيكون رائعًا لأننا لدينا الموهبة أو الخبرة؛ هو الطريق المضمون والمؤكد والمجرب للتراجع، حيث ينفتح الباب للغرور، ولا يأتي وحده بل يسبقه الاستهتار والتهاون في بذل الجهد "والأسوأ" زرع اليقين بأنه جيد بما يكفي؛ ولا أحد كذلك والحياة تخبرنا بأننا إن لم نتقدم فحتما سنتراجع والتوقف عن تطوير الذات وإمدادها بالمزيد والمزيد  سيؤدي  "لنضوب" الخبرات وذبولها ولو بعد حين.

يؤدي الاعتزاز "الزائد" بالنفس وبالنجاح إلى أخطر عدو وهو رفض الاستماع للنصائح من المقربين ومن المخلصين وكراهية الانتقادات؛ والتعامل معها وكأنها محاولة للاغتيال المعنوي له وانتقاصًا منه وليس "احترامًا" له وتقديرًا لمواهبه ولخبراته، ورغبة "صادقة" ليكون أفضل لأنهم يثقون أنه "يستطيع" ذلك ولا يتحملون ألا يساعدونه؛ وهذا هو الحب الصادق وليس من يتملقونه بالزعم أنه ليس بالإمكان أن يكون أفضل مما كان فدومًا هناك الأفضل والأجمل أليس كذلك؟

قالت إنها عندما تسمع أغانيها تسمعها بأذن المنتقد وليس بأذن من يطرب، وترى أنها كان يمكن أن تكون أفضل، وتبقى غير سعيدة، وإن هذا  شيء طبيعي..

قالت: "عارض بعض أصدقائي غنائي للقصائد الدينية، وقالوا الناس رايحة عشان تنبسط؛ أي تستمتع فقط للأغاني العاطفية، ورفضت أوافقهم وكانت النتيجة رائعة".
 
رفضت الحديث في الميكرفون قبل الغناء؛ وقالت: "موش كل حاجة تقولها للناس سترفع قدرك؛ ممكن ينبسطوا ساعتها وبعدين ينكتوا عليك".

اهتم والدها بوضعها في المقدمة؛ فعندما عرف أن أهم مطربة تشترط كتابة شرب "الكازوزة" أي المياه الغازية في العقد، أصر أن يكتب ذلك عند التعاقد معها، وحكت أنها عندما كانت تستقل القطار في بداياتها كانت تستقله في الدرجة الثالثة، ثم قبل ميعاد المغادرة تمشي وأسرتها ليغادروه من الدرجة الأولى أمام المستقبلين لها.

قالت عن دعمها لمصر بعد هزيمة 1967: "يجب أن يكون للفن دوره لخدمة الوطن؛ فلو بيتك فيه حريقة بتطفيها فما بالنا بالبيت الكبير الوطن؛ أنا مصرية وفلاحة أدافع عن بلدي وأصون أرضي وأحافظ عليها"، وسارعت بإقامة حفلات بمصر وبالخارج وخصصت دخلها للمجهود الحربي وذهبت للمشاهير وجمعت منهم تبرعات. 

يستطيع الجميع صنع أسطورته الخاصة والمتفردة بعدم تقليد غيره، ورفض السير وراء ما لا يقتنع به ويضره، وتطوير نفسه دائمًا وتنمية إمكاناته؛ فدومًا ينتظرن الأفضل "بشرط" السعي بجدية ومثابرة للفوز به يسعى ليكون كل يوم أفضل مما سبقه، وألا يسمح لأي ظروف أو  لتقدمه في السن "بإعاقة" طموحاته في العيش بأفضل ما يمكنه. 

وهو ما فعلته "ثومة" فظلت دومًا تبحث عما يجعلها أفضل؛ ولم تقل أنا سيدة الغناء وكوكب الشرق وسيتقبل مني الجمهور أي فن أقدمه، وكانت تخاف الخوف "الإيجابي" والذكي الذي دفعها للتفتيش عن أفضل الكلمات وأعذب الألحان، ومنحت الفرص لملحنين جدد "اقتنعت" بموهبتهم؛ مثل بليغ حمدي، ومحمد الموجي، ومنحت نفسها في الوقت نفسه "التجديد" ومنعت الركود الذي يقتل أي إبداع. 

سار مليون مصري في جنازة "ثومة"؛ فلم يرونها مطربة فقط؛ بل أسطورة يصعب تكرارها؛ ويمكن لكل إنسان أن يحقق "أسطورته" بالعمل فقط وفي علاقته بنفسه وبالآخرين؛ فيحترم "نعمة" الحياة ويقرر ويجتهد؛ ليكون كل يوم أفضل مما سبقه، ولا يسمح لنفسه بالتراجع أو بتبريره أبدًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: