Close ad

الصدفة ومسارات الحياة

25-12-2022 | 15:02
الأهرام المسائي نقلاً عن

وصلتني بعض التعليقات على مقال الأسبوع الماضي (محمود مختار ونهضة مصر)، حول دور الصدفة في حياتنا، وكيف أن كثيرًا من مسارات الحياة العملية والاجتماعية غيرتها بالكلية ما أطلقنا عليه (صدفة).

 قادت الصدفة مسار الفنان (محمود مختار)، حين التقى من يسافر معه صبيًا للقاهرة، حيث تقيم والدته، وأيضًا حين قابل صدفة من يخبره بافتتاح مدرسة الفنون الجميلة، وحين زاره الزعيم سعد زغلول في باريس واطلع على نموذج تمثال نهضة مصر، وانتهى المقال بسؤال مفاده؛ هل كان بمقدوره اكتشاف موهبته في النحت لو لم تقع له هذه المصادفات. ربما !!.

والعديد من الاختراعات بدأت بصدفة، آلكسندر فلمنج والبنسلين، كونراد رونتجن وأشعة إكس، جون ووكر والكبريت، ويشاع أن الجبن الريكفورد اُكتشف صدفة؛ إذ وجدوا نمو فطر البنسليوم بداخلها، وأوشكوا أن يتخلصون منها حتى جربها أحدهم ووجد لها طعمًا مستساغًا فشرع في تسويقها. حتى الابتكارات التكنولوجية لم تخل من الصدفة، صنع مارك زوكربيرج برنامج ييسر تواصل زملائه مع بعضهم البعض في قسم الحاسب بجامعة هارفارد، تحول بعد ذلك إلى فيسبوك. وكذلك ظهر برنامج جوجل من خلال الطالبين لاري بيج وسيرجي برين كمشروع بحثي للدكتوراه بجامعة استانفورد.

 وإن كانت الصدفة حدثًا عارضًا، غير متوقع، يظل السؤال، كيف تقع؟، وهل يمكن اختراعها، بمعني العمل على إيجادها؟.

 الصُدفة أُم الفرصة، تحتاج كل منهما بذل الجهد لتتحقق.

 عاش العالم عدة أسابيع في أجواء مونديال كأس العالم نسي معها المتفرجون مآسي الحروب وأوجاع الأسعار. وضع كل مدرب خطته ووزع لاعبيه في أرجاء الملعب، وبحسب خطة الفريق المنافس غَيَرَ موقع بعض اللاعبين، وتولت الكرة الباقي؛ استثارة الهمم. محاولات متبادلة للوصول إلى الشِباك، وجهود مضادة لصد الهجمات. ومن بين الهجمات والهجمات المضادة ولدت الفرص، ومن بعضها جاءت الأهداف وتناثرت دموع أفراح هنا وأحزان هناك.

في مباراة الأرجنتين ضد كرواتيا، في الدور قبل النهائي، استحوذ ميسي على الكرة 63 مرة، أحرز من إحداها هدفًا، وصنع من أخرى هدفًا آخر، وفازت الأرجنتين.

 واستحوذت فرنسا على الكرة 39%، مقابل 61% للمغرب، وانتهت المباراة لصالح فرنسا. العبرة بالفاعلية وليس الاستحواذ.

 ما نظنه صدفة يتضمن قدرًا هائلاً من السعي المقرون بالانتظار، فإن فُقِدَ السعي أصابنا ما أصاب الكولونيل في قصة (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) لجابريل جارثيا ماركيز.

 منذ تقاعد وهو يذهب كل جمعة إلى الميناء، ينتظر السفينة القادمة من العاصمة بالمسافرين والبضائع والبريد. يتطلع إلى الكيس الكبير الملقى على ظهرها، يتعجل يد موظف البريد وهى تفض عُقدة الكيس، يكاد ينفجر مستعجلاً إياه، وكعادته كل مرة يتراجع كاظمًا غيظه متأبطًا خيبته.

 وتأتى الجمعة تلو الأخرى والرسالة المنتظرة من إدارة المعاشات منذ أكثر من خمسة عشر عاماً لا تأتى. ونفس الرد البارد من موظف البريد يتكرر (لا توجد رسائل كولونيل). صار في فقر مدقع والانتظار سيد الموقف. وقع الكولونيل في فخ غواية الانتظار. هل كان ذلك عن عمد، أم مُداراة لعجز ذاتي. الكولونيل وحده يعرف.

 "عاش ينتظر" شعار الكولونيل وملايين غيره، ينتظرون وظيفة جيدة وحياة أفضل، ينتظرون مسكنًا أكبر. ينتظرون سيارة أفخم، ينتظرون وينتظرون والانتظار عالق في الطريق. ليس لدائرة الانتظار بداية ولا نهاية !!.

 بداخل كل منا كنز، يستدعي اكتشافه السفر ضد التيار. أطول وأشق رحلاتك، تلك التي تعبر فيها ذاتك الـمُلغزة ثم يجرفك موج المعارضة إلى شاطئ الانتظار. اخترع صدفتك بنفسك وغير مستقبلك. إياك والانتظار !!.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: