Close ad

الحلواني.. ريم بسيوني

25-12-2022 | 13:08
كاتبة روائية من طراز فريد، رغم دراستها الأدب الإنجليزي، وحصولها على درجة الدكتوراه في علم اللغويات من جامعة أكسفورد، وعملها أستاذًا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلا أنها من أبرز بل أهم كاتبات جيلها، ريم بسيوني نموذج إنساني فريد ونادر، وهي مشروع أدبي شديد الخصوصية والإبهار، تمتلك من الصفاء الإنساني ما يدهشك، تتحلى شخصيتها بالبساطة الراقية مع الصدق الرفيع دون أي زيف أو تصنع، ريم بنت الإسكندرية تجد خصوصية هذه المدينة الساحرة وبحرها وثقافتها الكزموبلتين في ثنايا رواياتها بما تحمل من إحساس بالحب والمغامرة والحرية.


 


على مدار ١٦عامًا قدمت للمكتبة المصرية عشرة أعمال أدبية، الأعمال الأربعة الأخيرة من داخل التاريخ الإسلامي المصري روايات مفعمة بالتساؤلات والإجابات؛ بداية من روايتها الأولى رائحة البحر عام ٢٠٠٥ إلى روايتها الأخيرة، تنتقل بحساسية بين الديني والتاريخي والفلسفي والاجتماعي والحكمة المقطرة من التجربة الإنسانية من كل زمان ومكان، تبحث دائمًا عن الهوية المصرية في الأزمنة المختلفة.


 


غالبية الكُتاب يترددون في الكتابة عن التاريخ بسبب القيود الكثيرة وبسبب صعوبته أيضًا، إلا أن ريم بسيوني غاصت في التاريخ المصري الغني بطبقات من الكنوز، وأصبحت من عشاقه، وتحررت معه - حسب قولها ـ حرصت على الصدق والأمانة العلمية، أبحرت أيضًا في عالم الصوفية وعالم السحر والحب والخيال، لديها تناسق في السرد والكتابة والحبكة وبناء الشخصيات، ورصد التاريخ والأرقام والسنوات بشكل شديد التوازن، ولديها مزج عظيم بين الكتابة التاريخية من وجهة نظر أبطال العمل مع عذوبة الشق الأدبي الرائع وقصص الحب التي تأسر قلب القارئ طواعية بمنتهى الخضوع، كل هذا مع تماسك العمل الأدبي تمامًا.


 


مشروعها الأدبي هو كتابة تاريخ مصر المستقلة في العصر الإسلامي، بدأت بالمماليك رغم أنهم الحقبة الأخيرة، ففي رواية أولاد الناس ثلاثية المماليك التي أحدثت ضجة في عالم القراءة وحصلت الرواية على جائزة نجيب محفوظ، ثم سبيل الغارق الطريق والبحر، ثم القطائع ثلاثية ابن طولون، وأخيرًا الحلواني ثلاثية الفاطميين، وقد حصلت مؤخرًا على جائزة الدولة للتفوق على مجمل أعمالها، أخذت ريم بسيوني حوالي تسع سنوات لدراسة هذه الفترة في تاريخ مصر حتى تستطيع الكتابة، هذا المجهود الضخم مع الموهبة الخاصة هو الذي منحها كل هذا التألق والتميز..


 


يلعب المكان دورًا حيويًا في بناء روايات ريم بسيوني التاريخية، وهي تحث القارئ على قراءة تاريخ المكان بما يحمل من أحداث وشخوص وتفاصيل كثيرة عن الحب والخير والجمال والصراع والألم، أيضًا لا يوجد تابوهات لديها في الكتابة، (السياسة والجنس والدين)؛ فمثلا في أولاد الناس، عندما عرجت الرواية حول علاقة الدين بالسلطة استطاعت أن تعبر بأسلوب راقٍ ومنمق وواضح في الوقت نفسه، وكذلك في قصص الحب المختلفة تجد التعبير الإنساني العذب ولكنه السهل الممتنع..


 


روايات ريم بسيوني تطلق العنان لخيالك لاستحضار الشخصيات التي تخرج من بين السطور والمحفورة على جدران الزمن، ولكن بقاياها لا تزال حاضرة على جدران مصر المحروسة، فأبطالها يعيشون دون خوف، وبطلاتها يبحثن عن حريتهن، والحرية لديهن هي حرية العقل والقلب.


 


وفي الحلواني قدمت ريم بسيوني مصر الفاطمية، عبر ثلاث حكايات: الصقلي، والأرمني، والكردي، بدأتها بدخول الفاطميين مصر بعد انتهاء دولة الإخشيديين وانتهت الرواية بقيام الدولة الأيوبية.


 


مائتي عام تقريبًا عاش المصريون فيها تحت حكم الدولة الفاطمية، منذ فتحها عام ٩٦٩م، بعد أن استعان المعز لدين الله بالقائد جوهر الصقلي الذي فتح مصر وبنى القاهرة والأزهر، وساد المذهب الشيعي، وتغير الأذان، وازدهرت في مصر صناعة الحلوى.


 


في حكايتها الأولى "الصقلي"، كان المكان بطل الحكاية، القاهرة التي بناها القائد جوهر الصقلي، بعد أن دخل محاربًا لا ينهزم، والذي قال عنه الخليفة المعز: "والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، ويبني مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا".


 


   وبلسان الحفيد جوهر بن الحسين بن جوهر الصقلي، قصت ريم عن الصقلي الجد، الذي حقق المجد، واتخذ من القاهرة سكنًا، ثم مات في بيته وهو لا يملك فرسًا، والأب القائد الحسين بن جوهر الذي عاش حذرًا من غضب الخليفة الفاطمي، يرتعد كلما هتف المصريون له، ودعوا باسمه دون الخليفة، كان حب العامة له نقمة أهلكته، لكن الحذر لا يدفع القدر، فأمر الخليفة بذبحه، هرب أبناؤه خوفًا فنالوا جزاء الأب، ما عدا جوهر، عاش ودخل من أبواب القاهرة بعد عفو الخليفة عنه ليكون أميرًا من أمراء الجيش، يضرب بسيفه أهل الفسطاط، يحرقها بلا رحمة، طاعة للخليفة الحاكم بأمر الله، الذي حكم البلاد بالحديد والنار منعًا لحدوث المجاعة.


 


عانت مصر من الجفاف وانتشار الأوبئة، لا يوجد فيها سكر أو دقيق أو ماء، انتشر الخراب والدمار، ولم يقو الخليفة الفاطمي على التصرف، جرده وزيره ابن حمدان مما يملك، فبعث يطلب العون من الأرمني بدر بن عبدالله الجمالي، كان مملوكًا اشتراه جمال الدولة ابن عمار، رباه على الإسلام والجندية، فشب شجاعًا حاسمًا، كان يحاط  ببدر الجمالي الغدر والخيانة، لكنه عرف وأبصر وادعى الغفلة، قلبه لا يعرف الهزيمة، جاء إلى مصر فوجد بها آثار حياة، عزم أن يقضي على الفتنة والفساد، وأن ينقذ أهلها من الخراب "الشدة المستنصرية"، ذبح مائتي أمير، وهو صاحب مذبحة المماليك وليس محمد علي باشا! وأهدى رءوسهم للخليفة الفاطمي، حكم فعدل، أعمل السيف في المفسدين، فأصبح له أعداء وأحباء، رسم لمصر خريطة جديدة، وفي سنتين نجح في القضاء على المجاعة وعاد إليها التجار، وعاد رونق القاهرة من جديد، دوما كان يحمل في صدره كلمات أستاذه "ما تريده بشدة ستفقده بقسوة وما تتوق إليه ستحرم منه عنوة"!!


 


حكم مصر ٢١ سنة، بنى الجمالية، وباب الفتوح وباب النصر وباب زويلة، ومسجد الجيوشي ومسجد العطارين في الإسكندرية، وأعلى جبل المقطم بنى المشهد، يحكي انتصاراته.


بين القانع والطامع تنحت ريم بسيوني شخصيات روايتها، وفي الحكاية الثالثة نهاية دولة وبداية أخرى، كانت مصر في نهاية الدولة الفاطمية، وبداية الدولة الأيوبية، حارب صلاح الدين الأيوبي مع عمه أسد الدين شيركوه في دمشق، ثم حارب في مصر، كان زاهدًا في الدنيا، ومتسامحًا مع المسيحيين واليهود، وطوال حربه في مصر لم يهدم أثرا أو مسجدا، بل عزز أسوار القاهرة ووسع حدود المدينة، ومات قبل أن ينتهي من بناء قلعته!!


 


تكتب ريم بسيوني برؤية عذبة، ولغة رائعة تصل إلى قلب القارئ، لا عقله فقط، لغة لا تعرف العصي ولا المنتصف بل تصل إلى المنتهي، في جماليات الوصف تقول: يكون "حب مصر هلاك للقلب"، وعن الغدر تقول "تخلى عنها في سلاسة كالماء المنهمر وقت الفيضان"، وعن الدنيا: "إن دنيانا ليست لتحقيق الأماني بل لتحمل المحن"، وعن الحب: "هو شعور بالطمأنينة والراحة بلا حواجز أو غدر"، وعن مصر: "هذه بلاد تربكك وتفقدك السيطرة على أهوائك فتهيم كالمجذوب وتدافع عنها كالأسد.. آه يا مصر.. كل من جاء وقع في الغواية"


 


هي حلوى تذوب في الفم ولا تبقى.. كما الدنيا ولكن في لحظات الجمال بعض السلوى عن القبح والطمع والألم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: