Close ad

"قونية" صفحة من كتاب "الجيش المصري"

24-12-2022 | 13:42


 من المعارك العديدة والفاصلة التي خاضها الجيش المصري، وجسمها منتصرًا، معركة "قونية" – التي دارت رحاها في شهر ديسمبر، ليشكل هذا اليوم الذكرى التي انتصر فيها على الجيش التركي في 21 ديسمبر عام 1832 م، في معركة لم تستمر أكثر من 7 ساعات، بدأها الجيش ظهرًا، وانتهى منها بعد غروب الشمس.

كثيرة هي المعارك التي خاضها الجيش الوطني، وعديدة هي مواقف البطولة الباسلة التي يذكرها التاريخ للمقاتل المصري، والتي شهد، ومازال، يشهد بها العدو قبل الصديق، وكأن هذا المقاتل لديه جينات خاصة أنعم الله عليه بها لا يحملها سواه، تترجمها المواقف البطولية والأخلاقية التي يتحلى بها دون غيره.

يقول التاريخ، إن المصريين، في "قونية"، وهي تركيا حاليًا، حاربوا بقيادة إبراهيم باشا، ابن محمد علي، بينما قاد العثمانيين رشيد محمد خوجة باشا، وانتهت المعركة بانتصار ساحق لجيش مصر، واقترب إبراهيم قائد الجيش المصري من الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، بعد أن سقط رشيد باشا قائد القوات التركية أسيرًا فى أيدي المصريين، الذين أصبحوا على مسيرة ستة أيام من البسفور، وكان الطريق إليها يخلو من أي قوات تعترض زحفه، وارتعدت فرائص السلطان العثماني محمود بعد هذه الواقعة، إذ رأى قوائم عرشه تتزلزل أمام ضربات جيش محمد علي وانتصاراته المتوالية، وأصبحت عاصمة الحكم التركي "الاستانة" متاحة أمام زحف الجيش المصري، بعد أن أقام حكمه على "أزمير" التركية.
 
بدون المصريين.. هل كان محمد علي باشا، وابنه إبراهيم ليحققا تلك الانتصارات والإنجازات دون المصريين.. لاشك أن الحديث عن فترة حكم محمد علي "1805 - 1848، وهي المرحلة الجديدة بدأها المصريون بثورة شعبية ضد الوالي العثماني، لتدخل مصر طفرة من التحول والتطور.
 
فقد أنشأ الوالي محمد علي مصر الحديثة، وهذا حق، ومن الحق والحقيقة أيضًا، أنه لم يكن ليحقق ما وصلت إليه البلاد من تطور وقوة بدون المصريين وعزيمتهم، الذين بادروا وخلعوا الوالي العثماني خورشيد باشا ليولوا بدلا منه محمد علي، بموافقة الباب العالي.

فمع المصريين وبأيديهم انتصر إبراهيم باشا في معركة "قونية"، ومعهم بقوتهم أيضًا أنشأ محمد علي المدارس الأولية والثانوية والمدارس العليا "جامعات" مثل المهندسخانة مدرسة الطب، وتطور الاهتمام بمقياس النيل، وحفر القنوات والترع، وزادت الرقعة الزراعية إلى ملايين الأفدنة بفضل سياسته الإصلاحية، وأنشأ القناطر الخيرية التى أحيت الدلتا، واكتشاف منابع النيل، وأنشأ الوزارات والدواوين، وأرسل البعثات إلى الخارج، وانشأ المطابع، والمستشفيات، واهتم بالترجمة، فضلا عن بناء قاعدة صناعية، كما أسس مدنًا مثل الخرطوم في السودان، كما بدأ في إنشاء ترسانة بولاق لبناء أسطول مصري، وبناء ترسانة السفن في الإسكندرية، كما أنشأ مدرسة حربية في أسوان، ومصانع للأسلحة، وأقام جيشًا قويًا يفوق في قوته جيش الدولة العثمانية.
 
صفحات التاريخ تكتظ بأخبار الحروب والمعارك والمواقع الحربية في كل مكان، وتذكر الصفحات الكثير من الممارسات اللا إنسانية والسلوكيات غير الأخلاقية من مقاتلي وقوات منتصرة وكيف يتم التنكيل بالبشر والأسرى العزل، وكيف تجتاح الجيوش المنتصرة في المعارك المدن التي يحتلونها، وتنكل بالناس، باستثناء المقاتل المصري وأخلاقياته بأن يحافظ على الأسرى ويحسن معاملتهم بسلوك راق استقرت عليه العقيدة القتالية للجيش المصري، ليضيف رصيدًا إضافيًا إلى رصيده الحربي والعسكري، وهو الرصيد الأخلاقي الذي اشتهر به، وبات تقليدًا تميز به في سير المعارك وعالم الحروب.

منذ عهد الفراعنة، حتى اليوم، والتقليد الأخلاقي يكاد ينفرد به عن سائر الجيوش على مر العصور، فقد حفلت كتب التاريخ بشاعات اقترفتها جيوش انتصرت في معارك ضد حضارات وممالك ودول، وكان الإجرام والبشاعة عنوانًا لغالبية تلك الجيوش في المعارك الحربية والحروب، أبيدت خلالها شعوب بإبداع غير مسبوق في ارتكاب الجرائم، حدث ذلك في الأمريكتين، وفي الأندلس، وفي أوروبا، وفي إفريقيا، وفي فلسطين، إلا الجيش المصري، الذي ينتصر عسكريًا وخلقيًا، ليحصد الحسنيين "نصر حربيًا ومجدًا إنسانيًا".
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة