Close ad

ليس في كل مرة تسلم الجرة

21-12-2022 | 14:15
الأهرام العربي نقلاً عن

هذا مثل عربى قديم ومشهور، يكاد يصف حال النظام الدولى الراهن، يقول: ليس فى كل مرة تسلم الجرة، أيها النظام المتهشم.

فى الحكاية القديمة للمثل وجدت الصبية، حاملة الجرة، من يعطيها الحكمة، فحين كانت تسير فى طريق متعرج مليء بالحجارة  والحفر، انزلقت قدماها، فسقطت، لكنها حافظت على الجرّة من السقوط، فنهضت ومضت، كأن شيئا لم يكن، صادفها ذلك الشيخ الحكيم بقولته المشهورة: «ليس فى كل مرة تسلم الجرة»، ويعنى أن جرتها نجت من التهشيم بالمصادفة، والمصادفة لا تصلح دائمًا، وتقع فى مرة نادرة لا تتكرر، وعليها أن تنتبه للطريق، فلن تنجيها المصادفة مرة أخرى!

وإذا ما طبقنا هذا المثل العربى على النظام  الدولى الراهن، فإننا سنكتشف أنه مثل تلك المرأة، يحمل جرة، لكنها ليست مليئة بالماء العذب، بل مليئة بمغامرات دموية منذ حقب طويلة!

بدأت بمغامرات صانعيه، من خلال غزوات، وحملات، واستعمار متعدد، وصولا إلى إشعال حروب صغيرة وكبيرة، وإشاعة ما يسمى بالفوضى، وإشغال المجتمعات بالثورات الملونة.

الغرب كان ولا يزال لا يعدم الذرائع من أجل المغامرات، ومنها صناعة الانهيارات الاقتصادية للدول والشعوب، وهو فى هذا أستاذ ورئيس قسم، وقد صك مصطلحًا سينمائيًا يسمى «القاتل الاقتصادي» أي أنه يقوم بقتل المجتمعات والدول بقاتل اقتصادي صامت، وفي ذلك صاغ نظريات وكتب أبحاثًا، وجعلها جزءًا من المناخ العام العالمي.

لكن هذا المناخ يرتد إليه الآن، ولن يسلم بجرته هذه المرة، فنجاح مغامرة واحدة، أو عشر مغامرات، وصولا إلى اللحظة الآنية، لا يعني سلامة الجرة العالمية، فقد سقطت هذه المرة ومعها حاملها، وهي غير قابلة للعودة كما كانت.

لنتأمل الصراع المكتوم بين ضفتى المحيط الأطلسى، أى بين الشقيقتين: أوروبا وأمريكا، وهو الصراع الذى  لم يعد خافيًا، ولنتأمل الصراع الأوروبى - الأوروبى، على سبيل المثال لا الحصر: فرنسا وألمانيا، ولنتأمل الخلاف الأوروبي العام حول طريقة معالجة المسألة الأوكرانية، ولنتأمل الصدام المسلح المتمثل في روسيا من جهة، والغرب كاملا، واتخاذ أوكرانيا لوحة تنشين بين الطرفين!

الجرة هذه المرة تهشمت، لم يبق منها إلا قطع الشقف، وكل أمة أو شعب أو جماعة تمسك بشقفتها الآن، لعل وعسى،  تستطيع أن تحولها إلى جرّة خاصة مكتملة.

ولنتأمل ما كشفت عنه ألمانيا من وجود جماعة تسمى «مواطنى الرايخ» وكيف كانت تنظر إليها منذ سنوات كمزحة سياسية، أو حالة حنين طبيعي، فإذا بها تستيقظ على أنها ليست مزحة أو حنينًا، ولا هي جماعة عابرة تثير السخرية في المنتديات السياسية، بل هى حقيقة واقعة، جعلت الدولة الألمانية  تقرر القبض على 25 عضوًا من أفراد هذه الجماعة، وعلى أميرها هاينيرش الثالث عشر، وحسب وسائل الإعلام الألمانية والعالمية، فإن عدد أفرادها يصل إلى 21 ألف مواطن، بعضهم يتغلغل فى مؤسسات حساسة، وبعضهم مدرب على السلاح، وقد وصفتهم  وسائل الإعلام بأنهم يمينيون متطرفون وإرهابيون!

صحا العالم إذن على أن الغرب يمكن أن يصاب بالإرهاب من داخله، ويتخذ من الحنين إلى استعادة الإمبراطوريات جسرًا للتغيير الشامل، والأمر جد خطير، فمواطنو الرايخ لا يعترفون  بنتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية! ولا يعترفون بالدولة الألمانية الحالية، ويأخذهم الحنين إلى إمبراطورية الرايخ الألمانية بين عامى 1871 - و1945، ويدّعون بأن ألمانيا الحالية «محتلة» من قبل أمريكا وإنجلترا وفرنسا.

ظهور مواطنى الرايخ على السطح تزامن مع انتشار فيروس كورونا، وانفجار الحرب الروسية - الأوكرانية، واجتياح التضخم الاقتصادى لدول العالم قاطبة، وتفشى الرعب الأوروبى من الشتاء المقبل بسبب نقص الطاقة.

زلزال مواطني الرايخ يعنى أن هناك جرّة تفتت، ولا يصلح معها الإصلاح، والأفضل للعالم كله أن يبدأ فى صناعة جرّة مختلفة، لا تقوم على مبدأ الإمبراطوريات، ولا مرض الحنين، ولا القفز على الأمم الأخرى بذريعة عدم امتلاكها الحداثة، وتحديثها ملزم بقوة النيران.

إنها المهزلة تقع حين يتكرر التاريخ بنفس وقائعه، فقد كشفت مفردات إعلامية مثل إلإمبراطورية الروسية، وإمبراطورية الرايخ، وإحياء بعض القوى البائدة، أن النظام الدولي يتخبط فى الظلام، ومن الأفضل للمجتمع الدولي، وللعرب تحديداً، ككتلة حرجة، أن  تظهر فكرة عالمية مختلفة، لا تشوبها نزعة التفوق، ولا تحتكر التقنية الصناعية لإرهاب وتخويف الآخرين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
التجارة فى الحرب

من إبادة إلى أخرى، تتصاعد تجارة الحرب من قبل مقاوليها المعتمدين، تشجعها نخبة سياسية غربية، تبرر للجلاد، وتلوم الضحية، يرفضها رأى عام عالمى، ولا يؤخذ برأيه، رغم ادعاء الديمقراطية .

ترامب.. وأربعة أيام تغير العالم

من السادس إلى التاسع من يونيو 2024 ثلاثة أيام، يمكن أن نسميها أيام الحسم الغربى، خلالها جرت انتخابات البرلمان الأوروبى، صعدت فيها أحزاب اليمين، أو أحزاب

الأكثر قراءة