Close ad
20-12-2022 | 12:29

تبنت اليابان رسميًا الأسبوع الماضى عقيدة عسكرية مغايرة شكلت في مجملها وتفاصيلها الدقيقة ومتناهية الصغر تحولا ثوريًا جريئا، وتعد الأبرز والأشمل، منذ هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية، وحطمت بواسطتها كثيرًا من قيود المسار السلمى، الذى التزمت به باختيارها وإرادتها الحرة الخالصة كوسيلة مثالية وفاعلة لتسوية النزاعات الدولية والإقليمية، وكانت تشدد على التمسك به دون كلل ولا ملل باعتباره قدس الأقداس فى تحركاتها ومواقفها، ليصبح لحديث "الهجوم" مكانة متقدمة فيها، حتى تتمكن من مواجهة ما تتعرض له من تهديدات متزايدة وسط بيئة أمنية وصفتها طوكيو بأنها الأشد والأكثر تعقيدًا، منذ عام ١٩٤٥، وتجبرها على الاستعداد دائما لـ"السيناريو الأسوأ".
 
اليابان وعبر إستراتيجيتها الأمنية الجديدة قطعت شوطًا كبيرًا ولافتًا لتحقيق أغلى وأضخم أحلامها على الإطلاق بأن تصبح  دولة طبيعية يجُوز لها بناء جيش قوي للدفاع عن شعبها ومقدراته وأراضيها، وتخصيص ما تراه مناسبًا من أموال لتسليحه وتعزيز قطاعاته وقدراته، دون أن يثير ذلك قلقًا أو انزعاجًا من أحد بمحيطيها الإقليمي والعالمي، وأن يُنظر إليه كحق شرعي وليس كمصدر تهديد وخطر محدق، ولو بعد حين.

إن فتشت بهدوء وتركيز عما بين السطور ستصل إلى أن اليابان بإستراتيجيتها تلك تريد إيصال رسالة بعلم الوصول للجميع أنها بلغت شاطئ المصالحة مع الذات، وتعلمت الدرس تماما من أخطائها السابقة بالنصف الأول من القرن العشرين، حينما أقدمت على القيام بمغامرات عسكرية احتلت خلالها بلدانًا مجاورة، وخاضت حربًا ضروسًا ضد الولايات المتحدة بمهاجمتها ميناء "بيرل هاربور"، ولم تحصد منها سوى الخراب والدمار، والاكتواء بلهيب قنبلتين نوويتين، إلى أن وقعت فى براثن الاحتلال الأمريكى، وقاست ما قاسته من جرائه.
 
وبالتأكيد فإنها ليست مستعدة لتكرار الخطأ نفسه بعودتها ثانية كدولة عسكرية تفكر بمنطق ومقاييس الماضي الغابر، وأن قوتها العسكرية الراهنة والمستقبلية دفاعية قلبًا وقالبًا، ولا تبغى منها التعدى على سيادة أحد، وحددت شروطًا صعبة فى إستراتيجيتها  لتنفيذ ضربات وقائية، فضلا عن أنها لن تغامر بإنجازات وجهد عقود شاقة ومضنية من التنمية الاقتصادية والرقي العلمى والتكنولوجى، عانى جيل بعد جيل لبلوغها، ولن تفرط فيها بتاتا، مهما كانت الإغراءات، بعدما أضحت نموذجًا مبهرًا وجاذبًا للتقدم والنجاح يُضرب به المثل حتى الآن، في أرجاء المعمورة.
 
وتؤمن طوكيو أنها سددت ما عليها من فواتير ثقيلة لهذه الحقبة غير السعيدة، ولم يصدر عنها اليوم ولا أمس ولن يصدر عنها في الغد ما يشي بعكس ذلك، وأنها كانت ضلعًا وسندًا داعمًا لما أنجزته مثلا الصين وكوريا الجنوبية، اللتان كانتا ضمن مستعمراتها سابقا، من نهضة اقتصادية ومالية مشهودة بفضل ما منحته لهما من مساعدات وقروض بتسهيلات ميسرة، عندما استهلتا مسيرتهما التنموية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وأن طوكيو وسول شريكان أساسيان في التحالف العسكري القائم مع الولايات المتحدة، وتعد بكين الشريك التجارى الرئيسى لليابان بما يزيد على ٣٠٠ مليار دولار سنويًا، طبقا للإحصائيات الأخيرة.
 
هذا اليقين الرسمي يؤازره قاعدة شعبية عريضة تسانده وتشد من أزره، وتشاركه الرأي بأن استيقاظ "المارد الياباني" ضمان أكيد للمحافظة على الأمن والاستقرار في شمال شرق آسيا ونطاق المحيطين الهندي والهادئ.
 
الشاهد على هذه المؤازرة الشعبية أمران لا ثالث لهما، الأول أنه لم تسجل مظاهرات في الشوارع اعتراضًا على الثورة الدفاعية المعلنة، والعادة جرت على أنه عند صدور قرارات وتوجهات من الحكومة، لا سيما بالملف الأمنى، لا تحظى بموافقته وتأييده، تمتلئ شوارع المحافظات اليابانية بالمسيرات والتظاهرات المنددة بها، ولا تقوى أى حكومة على الالتفاف على موقف المواطنين الرافض لسياساتها، ولا يمكنها تطبيقها دون موافقتهم.
 
الشاهد الثانى والدال: نتائج استطلاع للرأي أجرته شبكة "إن إتش كيه" كبرى شبكات التليفزيون باليابان وأشارت إلى أن ٥١٪ يؤيدون زيادة الإنفاق العسكري الذي سيجعل من بلادهم صاحبة ثالث أكبر موازنة عسكرية بعد أمريكا والصين ـ ٣٢٠ مليار دولار حتى ٢٠٢٧ ـ، بينما عارض الخطوة ٣٦٪ فقط، وهذه النسب غير مسبوقة، وتكشف بدون شك أو جدال عن أن اليابانيين شاعرون بأن المخاطر الأمنية تطوقهم وتخنقهم من جهة كوريا الشمالية وصواريخها الطائشة التي تطلقها بوتيرة تشبه إطلاق الألعاب النارية بكثافة ودون توقف في الاحتفالات والمهرجانات، ومعها قدراتها النووية البعيدة عن مراقبة المجتمع الدولي وضوابطه الحاكمة والرادعة، ومن الجهة الأخرى الصين التى لا تكف عن تدعيم جيشها وترسانة أسلحتها التقليدية وغير التقليدية، وتهدد باستخدام القوة ضد تايوان القريبة من اليابان، أما ثالث جيرانهم روسيا فإنها لجأت للسلاح لترويض أوكرانيا المتمردة على بيت طاعتها.
 
ولسان حال المواطن الياباني يقول ماذا عسانا نفعل إزاء هذا الوضع شديد الخطورة؟ فليس معقولا أن نقف مكتوفي الأيدى، ويحق لنا العمل لتأمين أنفسنا ومكتسباتنا، وواجب حكومتنا اتخاذ كل إجراء ملائم يحافظ على سلامتنا وأمننا، ويجعل من جيشنا الوطنى درع أمان لنا، ويتصرف وفقا لقواعد وأحكام ضابطة، لأن الدولة اليابانية عضو مسئول بالأسرة الدولية، وتعى ما يقع على عاتقها من مسئوليات والتزامات تفرضها القوانين والاتفاقيات الدولية، فالمارد اليابانى ليس منفلت العيار مثلما كان فى الماضى، ولديه ما يكفى ويزيد من الكوابح الضامنة لعدم انفلاته مرة أخرى، ولا يجب أن يكون موضع خشية.

كلمات البحث
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة