Close ad

عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف: العربية.. شجرة مثمرة تُقذف بالعولمة

19-12-2022 | 17:04
عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف العربية شجرة مثمرة تُقذف بالعولمةاللغة العربية
حوار: أحمد نور الدين
الأهرام التعاوني نقلاً عن

ما زال احتفالنا واحتفاؤنا بلغتنا العربية فى يومها العالمى قائما، ولمَ لا وهى مهضومة الجانب والحظ من أبنائها، فلا يتذكرها المتخصصون وغيرهم إلا فى شهر ديسمبر، حيث الاحتفال بها بالفعاليات المختلفة دوليا ومحليا.

ورفعا لهذا الغبن والظلم عن لغتنا.. وايضاحا لما تعانيه من تشويه واعتداء صارخ متعمد.. التقت «واحة الإيمان» بالشيخ رسمى عبد السلام عجلان الباحث بالأزهر الشريف عضو الرابطة العالمية لخريجى الأزهر.. ليحدثنا عن ارتباط لغتنا العربية الوثيق بديننا وتاريخنا وثقافتنا وهويتنا.. وأن العيش بها فى حياتنا وإعلامنا وتعليمنا ضرورة واجبة.. التفاصيل تكمن فى السطور التالية.

 

<< ما دلائل أهمية لغتنا العربية؟ 

< ينبغى علينا أن ندرك أهمية هذه اللغة ومكانتها المرموقة خاصة وأنها هى اللغة التى أنزل الله بها القرآن، ولغة السُّنة النبوية وتحدث بها سيد الأنام وأصحابه الكرام، ولغة التعبُّد لله تعالى، على الأقل منذ تكليف سيدنا محمد [ بالرسالة وحتى قيام الساعة، ولغة أهل الجنة، فقد ذكر ابن قيم الجوزية أن «لسان أهل الجنة عربي، وهى اللغة التى ندين بها الله عز وجل ونتقرب إليه بما شرع لنا بها، وهى هويتنا وجامع شمل أمتنا والعامل المشترك بين أبناء الأمة فى كل زمان ومكان، وهى لغة أبو البشر سيدنا آدم عليه السلام، وإن كان فى ذلك عدم اتِّفاق بين العلماء، ولكنى أؤيد الرأى الذى يقول: إن اللغة العربية أصل اللغات كلها، فلا أظن أن هناك لغةً تحوى على كل الأسماء التى علَّمها الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام غير العربية. اللغة العربية بحرٌ مليء بالمعانى الرائعة، فيجد كل مَن يركبه ويغوص فى أعماقه كل سمين وثمين، وكما قال شاعر النيل حافظ بك إبراهيم: (أَنا البَحرُ فى أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي)، وكم عاتبت اللغة العربية على أبنائها وكم تتعجب من هجرانهم لها وتقول بلسان الأم الحنون: أتهجرونى هكذا وتستبدلوننى بلغة جديدة وركيكة ليس لها أصل ولا يمكن أن تقارن بي؟ وتطلب من الله تعالى أن يعفو أبنائها؛ فتقول لبسان حالها: (أَيَهجُرُنى قَومى عَفا اللَهُ عَنهُمُ إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ).

يقول المستشرق الفرنسى «لويس ماسينيون» عن اللغة العربية: وباستطاعة العرب أن يفاخروا غيرهم من الأمم بما فى أيديهم من جوامع الكلم التى تحمل من سموّ الفكر وأمارات الفتوة والمروءة ما لا مثيل له»، فاللغة العربية تمتاز عن اللغات الأخرى بأنها لغة دين، وتعلمها واجب، حيث حملت آخر الرسالات، وأريد لها أن تكون لسان الوحي، وقدّر لها أن تستوعب دليل نبوة الإسلام، واختزال مضامين الرسالات السابقة، والانطواء على المنهج الذى ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين؛ وفضلا عن أن معرفة اللغة من الدين، ومعرفتها فرض واجب، وإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ففى العصور الأولى كادت العربية أن تكون مرادفة للإسلام؛ فقد سأل أبو جعفر المنصور يوما مولى لهشام بن عبد الملك عن هويته؛ فقال المولى: «إن كانت العربية لسانا فقد نطقنا بها، وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه!».

 

<< وهل بالفعل تتعرض اللغة العربية لهجمة؟

< نعم، فاللغة العربية شجرة مثمرة تتعرَّض لهجمة شرسة، بذريعة ما يسمى بالعَولمة، والمتربصون بها كُثُر، وتمكينهم منها يعنى تمكينهم من ديننا وهُوِيَّتنا. لذا كانت اللغة العربية هى رئتي أسلافنا فهى حياتهم وشهيقهم وزفيرهم؛ فاهتموا بها أى اهتمام وألفوا فيها المعاجم والكتب والأسفار، وورثوها للأجيال، فإذا بقينا نحن أبناء اللغة العربية مستمرين فى غينا وضلالنا نحوها، فإنّ مصيرنا الفناء والزوال والموت، وأيّ موت هذا؟ موت لا رجعة للعرب ولا لأبناء الأمّة العربية حياة بعده، وكما قال أجدادنا زمان: (لغتك لتهلك).

 

<< وما أبرز التحديات التى تواجهها اللغة العربية؟

< نظراً لأهمية اللغة العربية البالغة فى حياة المسلمين؛ اتخذت محاربة اللغة العربية الفصيحة أشكالاً متعددةً، منها: وصم لغتنا بالتخلف، وعدم مواكبة روح العصر، والتفجّر المعرفي، وبأنها لغـة البداوة وليست لغة العلم، ووصمها بالصعوبة والتعقيد؛ بسبب نحوها وصرفها وكثرة الحركات فيها، وأنها تفهم لتقرأ خلافًا لبقية اللغات؟!  

 

<< وما التحديات الخارجية التى تواجهها لغتنا العربية فى نظركم؟

< من التحديات الخارجية التى تواجهها لغتنا العربية العولمة، حيث إنّ العولمة الثقافية تروم نشر اللغة الإنجليزية -لغة القطب الواحد- وهيمنتها فى التعليم والتواصل، كذلك نشر اللغات الأجنبية على حساب العربية، وإحياء لغات الأقليات، حيث يقدم الدعم السخيّ للقائمين بها؛ تحت شعار حقوق الإنسان، إضافة لمحاولة شطب اللغة العربية من الأمم المتحدة بحجة عدم استعمال ممثلى الدول العربية للغة العربية فى الأمم المتحدة؛ فهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية فى إلقاء كلماتهم ومناقشاتهم، وايضا ترويج المصطلحات المعادية لأمتنا العربية: حيث تروج الدوائر المعادية لأمتنا بعض المصطلحات، وتعمل على سيرورتها وانتشارها، ومن بين هذه المصطلحات: «منطقة الشرق الأوسط»؛ إذ إنّ هذا المصطلح يشمل منطقة لا هوية لها؛ لإزالة الهوية العربية، وليحل هذا المصطلح مكان «الوطن العربي» أو «البلاد العربية» أو «الأمـة العربية».

 

وكذلك ضعف ما ينشر باللغة العربية على شبكة الإنترنت، حيث إنّ 80% من الصفحات المتوافرة على شبكة «الويب» مكتوبة بالإنجليزية؛ وهذا يسبب الكثير من الإشكاليات، وإحياء الدعوة إلى استعمال اللهجات العامية مجددا، حيث يتم تشجيع البحوث التى تخدم العاميات وتقديم الدعم المادى لها، ووصل الأمر إلى أن بعض الجامعات الأمريكية قامت بإلغاء تدريس اللغة العربية والاستعاضة عنها باللهجات العربية مثل: الشامية والمصرية والمغربية والعراقية.

 

<< وماذا عن العولمة -تحديدا- فى محاربتها للغتنا العربية؟

< مما لا شك فيه أن العولمة هى من أخطر التحديات التى تواجه العالم العربى والإسلامى فى العصر الراهن باعتبارها تؤثر فى ثقافة الشعوب وهويتها وحضارتها بواسطة مختلف الوسائل والطرق. وبما أن اللغة عنصر مهم من عناصر الثقافة ولا داعى هنا أن نقول بأن اللغة العربية ما تأثرت بالعولمة الثقافية، بل امتدت جذورها فى عدة جوانب على جميع الأصعدة بدءاً بالنشر العلمى وتبادل الخبرات التكنولوجية مرورا بالتعليم العالى والتجارة والصناعة وغيرها، ومن مظاهر هذا التأثير على سبيل المثال لا الحصر: دخول مصطلحات دخيلة فى اللغة العربية، وتعريب المصطلحات الأجنبية كى تواكب اللغة العربية التطور التقنى والعلمى الذى يشهد العالم اليوم، وتأثير التراكيب والأساليب اللغوية الجديدة الغربية على اللغة العربية نتيجة الترجمة من الانجليزية، وازدواجية اللغة بين العامية والفصحى، والتحدى الإعلامى والعلمى والتقنى وغيرها.

وجانب آخر وصمها بالصعوبة والتعقيد بسبب نحوها وصرفها وكثرة الحركات فيها. وهذا ما أدى الى ابتعاد كثير من الناس عن اللغة العربية حيث إنهم يعتبرونها لغة القرآن، ولغة الفقه والعبادة، وهو ما منحها لونا من القداسة، وليس كلغة حياة يومية، تطورت عبر التاريخ، وهو ما أدى إلى أن تنزع عنها سمة الحيوية وإمكان دخولها فى الحياة العامة للأفراد.

 

<< هناك توجه إلى إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية فى منظمة الأمم المتحدة.. ما أسباب ذلك؟

< أسباب هذا عدم وفاء معظم الدول العربية بالتزاماتها المتعلقة بدفع نفقات استعمال العربية فى المنظمة، وعدم استعمال ممثلى الدول العربية للغة العربية فى الأمم المتحدة؛ حيث إنهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية فى إلقاء كلماتهم ومناقشاتهم، وعدم وجود مترجمين عرب أكفاء يجيدون اللغة العربية، ولقد ضغطت الدول الكبرى على منظمة اليونسكو بخصوص حقوق التنوع اللغوي، مما جعل هذه المنظمة أخيراً تعلن أن الحقوق اللغوية تنحصر فى ثلاثة: أولها الحق فى لغة الأم وليس اللغة الأم، وتعنى لغة الأم أى هى اللهجة العامية أو إحدى اللغات الوطنية غير العربية، وثانيها الحق فى لغة التواصل فى المجتمع. وتعنى لغة التواصل، أى هى اللهجة العربية الدارجة، وثالثها الحق فى لغة المعرفة، وتعنى لغة المعرفة العالمية: أى الانجليزية أو الفرنسية.

 

<< وكيف ترى واقع وسائل الإعلام العربى مع اللغة العربية؟

< فى ظل هذه العولمة الثقافية ذات القطب الواحد، تنشر وسائل الإعلام العربى برامجها مصبغة بصبغة الثقافة واللغة الغربية، مثل برنامج الأجندة المفتوحة، وبانوراما، والشارع الدبلوماسى وغيرها، وتروج الدوائر المعادية لبعض المصطلحات، ومن بين هذه المصطلحات «منطقة الشرق الأوسط» إذ أن هذا المصطلح يشمل منطقة لا هوية لها، لإزالة الهوية العربية، وليحل هذا المصطلح مكان «الوطن العربي» أو « البلاد العربية».

كما أن أخطر التحديات تواجه اللغة العربية توجد على صعيد الأكاديمى والتعليم حيث تم تفريغ المناهج والكتب من النماذج التأصيلية والنصوص التأسيسية للغة العربية وثقافتها، فيفرغ عقل الدارس ووجدانه من كل ما هو أصيل يصله بحقيقة لغته وثقافة أمته. ويضاف إلى ذلك كله ضعف نسبة ما ينشر باللغة العربية على شبكة الإنترنت، إذ إن 80 % من صفحات الموقع المتوافرة على شبكة «الويب» مكتوبة بالإنجليزية، وهناك نقص رقمى على الشبكة بالعربية وعدم اعتماد مواصفات محارف اللغة العربية وهذا يسبب الكثير من الإشكالات.

ومن الملاحظ أن اللغة تؤدى دورا بارزا فى ازدهار الأمم وانحسارها بدون أدنى شك، فالشواهد التاريخية تؤكد أن فناء الأمم والحضارات نادرا ما يكون بسبب الإبادة الجسدية عسكريا، أو بسبب الانتماء السياسى أو اختلاف الأجناس، وإنما يكون بسبب اختفاء لغاتهم. 

 

<< وهل هناك تحديات داخلية تواجه اللغة العربية؟

< نعم بالتأكيد هناك تحديات داخلية تواجه لغتنا العربية منها ضعف الانتماء للوعى اللغوي: حيث نجد هيمنة اللغات الأجنبية فى الجامعات الخاصة وفى المدارس الخاصة وفى رياض الأطفال بشكل مبالغ فيه للغاية، أضِف إلى ذلك أن العديد من الدراسات كشفت أن نسبة كبيرة من الآباء يُفضلون التحاق أبنائهم بالمدارس التى تُوفر التعليم باللغة الإنجليزية؛ لأن لديهم اعتقادا أن المستقبل مستقبل اللغة الإنجليزية، وأن أبناءهم سيحظون بمراكز مرموقة، وفى المقابل فإن نسبة كبيرة من الطلاب والباحثين يفضلون أن يدرسوا باللغة العربية، شريطة أن تتوافر لهم الكتب المترجمة، كل فى مجال تخصصه، إلا أن ما تم ترجمته إلى الآن فى مجال الدراسات العلمية والإنسانية لا يفى بالغرض.

 

من التحديات الداخلية ايضا وصم العربية بالتخلف وعدم مواكبة العصر، وأنها لغة البدو وليس لغة العلم، وأنها معقدة وصعبة الفهم، وأن البيئة العربية ملوثة لغويا، لقد استشرا اللهجات العامية، وانتشر الكلمات الأجنبية على ألسنة أبنائنا وقادتنا وقدواتنا، وعلى المحال التجـارية والمطاعم والفنادق والحياة العامة، والكلمات العامية والأخطاء النحوية على وسائل النقل وفى لفتات الإعلانات والإعلام.

 

ثم عدم وجود مشروع قومى فى كل بلد عربى لتعريب العلوم: وأؤكد أن جميع مستلزمات التعريب متوافرة، ولا تحتاج إلاّ إلى أمرين أساسيين، أولهما: منهجية واضحة فى التعريب تتضمن برنامجا زمنيا يلتزم به ويطبق، لتعريب المراجع الأساسية والبرمجيات، باستخدام المصطلحات العلمية العربية الموحدة، وتدريب الأساتذة المعنيين على استعمال اللغة العربية فى التدريس والبحث العلمي، بالإضافة إلى توفر الإرادة الصادقة، لدى أصحاب القـرار، ولن يتأتى هذا إلا من خلال قرار سيادي، ومشروع قومى فى كل بلد عـربي؛ فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن! ولنا فى التجربة السورية خير شاهد فى مجال تعريب علوم الطب.

 

<< وبمَ تفسرون الدعوة إلى العامية وانتشار (الفرانكو آراب) بين شبابنا؟

< الدعوة إلى العامية، دعوة شديدة الخطورة على لغتنا الجميلة، ولخطورة هذه القضية، فقد دقّ ناقوس الخطر الأستاذ اللغوى المحقق أبو فهر (محمود محمد شاكر) منذ عشرات السنين؛ حيث قال: تلك قضية من أعقد القضايا التى ابتلى بها العالم العربى خاصة، والعالم الإسلامى عامة، ولا تزال حية إلى اليوم، بل بلغت عنفوانها فى هذه السنين الأخيرة، وليس لها شبيه فى العالم كله، والكشف عن حقيقة هذه القضية، وهى قضية العامية والفصحى، كشفٌ عن أعظم مؤامرة خبيثة، بدأت خافتة، ثم علا صوتها، والمشتركون فى القضية، بين غافل لا يدرى ماذا يقول، ولا ماذا يُراد به، وبين ماكر خبيث يُضرم النار فى الحطب؛ لتأكل الأخضر واليابس بعد قليل.

ثم الأخطر من ذلك انتشار لغة بين الشباب العرب يكتبون بها على منصات التواصل الاجتماعي، أطلقوا عليها (الفرانكو آراب) فيُعبِّرون عن اللغة العربية بحروف لاتينية، ويرمزون لبعض الحروف غير الموجودة فى اللاتينية بأرقام! وهذه الطريقة قد تؤدى إلى تشويه اللغة العربية على المدى البعيد، إذا لم يتدخل حماة العربية لإنقاذها من هذا الخطر.

ومن المدهش ما قرأت لفاروق جويدة فى مقاله الأسبوعى الذى نشره فى (الأهرام) يناير سنة 2008م تحت عنوان: (اللغة العربية فى إسرائيل)، ما يلي: (فى ظل المنظومة الثلاثية التى فقدت ثوابتها ودورَها وتأثيرها فى مصر، وهى التعليم والثقافة والإعلام، لم يكن غريباً أن تقرر إسرائيل تعليم اللغة العربية لأطفال المدارس الإبتدائية كبداية انطلاق نحو دور ثقافى يراه البعض بعيداً، ولكن كل الشواهد تؤكد أنه قريب وقريب جداً. أريد تفسيراً لما يحدث؟! انهيار كامل للغة العربية فى مصر فى بلادها بين مواطنيها وفى مدارس أطفالها، فى حين تشهد برامج التعليم فى إسرائيل كل هذا الاهتمام باللغة العربية، لا يمكن أن يأتى ذلك بالمصادفة، لأن كل شيء عندنا يقوم على العشوائية والارتجال، وكل شيء فى إسرائيل له حسابات وأهداف ومصالح؛ فهل وصلتنا الرسالة؟!).

 

<< نأتى لسبل النهوض باللغة العربية.. كيف ترونها؟

< النهوض باللغة العربية من النواحى كافة يجب أن يتصدر أولويات العمل العربى المشترك على جميع المستويات؛ لن أقول: العمل العربى الثقافى التعليمى فحسب، بل أقـول: العمل العربى العام على مختلف الأصعدة؛ لأن النهوض باللغة ليس مسألة ثقافيةً، ولا هى مسألة تربوية تعليمية فحسب، وإنما هى مع ذلك مسألة السيادة والأمن والاستقرار والمصير الموحد، فاللغة العربية هى وعاء ثقافتنا، وعنوان هويتنا، والمحافظة عليها تعد محافظة على الذات وعلى الوجود، وكان علماء الأمة فى صدرها الأول على وعى كامل بأثر اللغة فى تكوين الأمة، وخطرها فى بناء شخصية المسلم؛ لذا حرصوا حرصا شديدا على المحافظة على لغة القرآن والسنة، وشدّدوا النكير على من حاد عنها إلى غيرها، واستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير.

هذا فى الوقت الذى تعد فيه اللغة الأم شريكة ثـدى الأم فى إيضـاح نمو الصغير ورعاية قيمه واكتمال شخصيته، وها نحن نلاحظ على الصعيد العالمى أنه ما من شعب أراد الحياة العزيزة الكريمة إلا وتمسك بلغته الأم أمام اللغات الغازية.

 

<< كيف هذا فضيلتكم.. نريد توضيحا وبيانا شافيا؟

< هذه بعض الأمثلة، فى فيتنام: دعا القائد الفيتنامى «هوشى مينه» أبناء أمته قائلاً: «لا انتصار لنا على العدو إلا بالعودة إلى ثقافتنا القومية ولغتنا الأم»، ويقول فى وصاياه للفيتناميين: «حافظوا على صفاء لغتكم كما تحافظون على صفاء عيونكم، حذار من أن تستعملوا كلمة أجنبية فى مكان بإمكانكم أن تستعملوا فيه كلمة فيتنامية».

وفى اليابان استسلمت فى الحرب العالمية الثانية تحت وطأة القنابل الذرية الأمريكية؛ ففرض الأمريكيون شروطهم المجحفة على اليابان المستسلمة، مثل تغيير الدستور، وحل الجيش ونزع السلاح... الخ، وقد قبلت اليابان جميع تلك الشروط ماعدا شرطا واحدا لم تقبل به، وهو التخلى عن لغتها القومية فى التعليم، فكانت اليابانية منطلق نهضتها العلمية والصناعية الجديدة!

ولِمَ نذهب بعيدا؛ فها هى إسرائيل أقامت كيانها على إحياء اللغة العبرية، وهى لغة ميتة منذ ألفى سنة، فاعتمدتها فى جميع شؤون حياتها تعليما وإعلاما وتواصلا؛ حتى إنّ المؤتمرات الذرية والنووية تعقد باللغة العبرية لا بالإنجليزية!

 

<< وما آليات سبل النهوض باللغة العربية الفعلية فى نظركم؟ 

< من آليات سبل النهوض باللغة العربية الفعلية نذكر منها أن وزارة التربية والتعليم: من الممكن أن تعمل على تنفيذ إجراء دورات تدريبية لمعلمى الأطفال على استخدام العربية الميسرة فى رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية، مع التركيز فى مرحلة الطفولة -بوصفها أهم المراحل المشكلة لعقلية الطفل العربي- على القصائد والأناشيد السهلة بغية تنمية مهارة التذوق والحس اللغوى لدى الطفل، والتزام جميع المعلمين وفى مراحل التعليم كافة باستخدام اللغة العربية فى العملية التعليمية، وألا يخضعوا للترقية فى وظائفهم إلا إذا أثبتوا إتقانهم أساسيات للغة العربية. أما وزارة التعليم العالى فمن الممكن أن تقوم بجعل مقرر اللغة العربية متطلبا جامعيا فى الجامعات الرسمية والخاصة وفى مختلف التخصصات، وإلزام أعضاء الهيئة التدريسية فى الجامعات والمعاهد باستخدام العربية الفصيحة فى دروسهم كافة، والابتعاد عن استخدام العامية فى الشرح، وتدريب طلابهم على استعمال العربية فى أسئلتهم وأجوبتهم.

أما وزارة الإعلام، فيمكن أن تلعب دورا كبيرا ببث برامج تظهر سمات اللغة العربية، وجمالها وسهولة عباراتها، وسلاسة النطق بها، وجمال مرادفتها واتساع مفرداتها، بث برنامج يعنى بتصويب الأخطاء الشائعة فى لغة الحيـاة، على أن يكون إخراجه بطريقة غير مباشرة وبأسلوب ممتع، مثل برنامج قُل كذا ولا تقُل كذا، جنبا الى الاكثار من تقديم الأعمال الدرامية المصوغة باللغة العربية الجميلة والخالية من اللهجة العامية السوقية والألفاظ السيئة، وعقد دورات تدريبية مستمرة للعاملين فى الإعلام؛ بغية تحسين أدائهم اللغوي، وعودة وظيفة المصحح اللغوى بالإذاعة والتليفزيون، وعمل برامج لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها للراغبين فى تعليم اللغة العربية، وذلك بالتنسيق مع الأزهر ومجمع اللغة العربية والمعاهد المتخصصة فى هذا المجال، إضافة للإكثار من بث البرامج الترفيهية الخاصة بالأطفال.

<< وما دور الأسرة فى الحفاظ على لغتنا العربية؟ 

< أما دور الأسرة فيجب علينا أن نذكى فى نفوس أبنائنا أهمية هذه اللغة ومكانتها وأنه لا غنى لنا عنها كما يجب أن نعتز بها لا بغيرها من اللغات لأنها لغة القرآن ولغة سيد الأنام وأصحابه وبها تمام العبادة لله تعالى وهى هويتنا، كما علينا أن نعلم أبنائنا أن اللغة بحر ولا تكفى السباحة فيه بل أن نغوص فى مكنونه ونستخرج منه المعانى الجميلة والبديعة التى تصنعه وتلبسه لباس جذابا، وأن نقلل قدر المستطاع من اللهجة العامية وخاصة فى كلامنا ومقابلاتنا وأن نحاول التجديد فى استعمال الكلمات العربية خاصة وأن بعضها له عدة ألفاظ بمعنى واحد وهذه ميزة تساعدنا على التجديد فى استخدامها، مع التنبيه على أبنائنا بعدم سماع الأغانى السوقية (المهرجانات) لأنها تقتل اللغة وتغتال الذوق العام وتدعو للفحش والانحلال.

 

<< ختاما.. كيف تحيون أمل الحفاظ على سيدة اللغات ؟ 

< يجب إيلاء اللغة العربية التى ترتبط بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا كل اهتمامنا؛ بحيث تعيش معنا فى مناهجنا وإعلامنا وتعليمنا، كائنا حيا ينمو ويتطور ويزدهر، ويكون فى المكانة التى يستحقها جوهرا لانتمائنا القومي؛ حتى تكون قـادرة على الاندماج فى سياق التطور العلمى والمعرفى فى عصر العولمة والمعلومات؛ لتصبح أداة من أدوات التحديث، ودرعا متينة فى مواجهة محاولات التغريب والتشويش التى تتعرض لها ثقافتنا.

وإننى على يقين من أن الجميع إذا تكاتف وعمل معا فى سبيل هذه اللغة؛ خدموا لغتهم أخلص خدمة؛ لأنها لغة القرآن الكريم؛ التى كتب الله لها النماء والبقاء والخلود.

كلمات البحث
الأكثر قراءة