Close ad

محمود مختار ونهضة مصر

18-12-2022 | 15:13
الأهرام المسائي نقلاً عن

 

لا تقتصر جماليات رواية (الخيميائي) للكاتب البرازيلي باولو كويللو في لغتها ولا سحر أجوائها بل تمتد لتلك الرسائل المتتالية التي ألهمت الفتي سانتياجو للسفر من الأندلس خلف كنزه المدفون تحت سفح الهرم حتى إذا ما وصل أدرك أن كنزه حيث يضع رأسه بين حطام أحد كنائس الأندلس. كم نحن غافلون عن كنوزنا.

 كثيرة هي الإشارات في طريقنا الطويل. التحدي في فهم مغزاها. يقول صلاح جاهين في رباعياته (أندم على الفرص اللي أنا سبتها ولا على الفرص اللي ما سبتهمش/ عجبي !!).

 

تشاجر محمود مختار (1891 – 1934) في طفولته مع أبناء عمومته فترك البيت الريفي غاضبًا إلى القاهرة ليقيم في كنف والدته، وأصبح باعث فن النحت الفرعوني بعد غياب آلاف السنين.

 التحق مختار بمدرسة الفنون الجميلة في درب الجماميز التي أسسها الأمير يوسف كمال وتعلم تحويل التماثيل التي كان يصنعها صغيرًا في القرية من الطين إلى أخرى أكثر تعبيرًا وعمقًا فنيًا. منحها شخصيتها وحضورها ومجالات تأثيرها وأضفى عليها من روحه وعلمه الذي صقله بالدراسة في باريس على يد فنانين عظام أمثال كوثان، ورودان، وغيرهما من رواد الفن.

 اتجه العديد من زملاء مختار في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة، أمثال راغب عياد، ويوسف كامل، ومحمد حسن، إلى الرسم، واتجه هو إلى النحت.

 جاءت أعماله مزيجًا بين تيارات ومدارس نحتية متعددة عكست العلاقة -البسيطة المعقدة في آن- بين الأصالة والمعاصرة؛ ابن البلد، العميان الثلاثة، العودة من النهر، الخماسين، الحزن، سعد زغلول، كاتمة الأسرار، وغيرها.

 يأتي تمثال (نهضة مصر) على رأس أعماله فضلاً عن ارتباطه بثورة 1919 والسعي لتحرير مصر. اطلع سعد زغلول على نسخة مصغرة من التمثال في أحد زياراته لفرنسا، وفضلاً عن كونه رمزًا للفخامة والعراقة، وجد فيه سعد رمزًا لقدرة مصر على النهوض فتبناه ودعا المصريين للاكتتاب الشعبي وتنازل مختار عن أجره.

 ثمان سنوات بين عرض نموذج التمثال في باريس وإزاحة الستار عنه في مايو 1928، توقف فيها العمل عدة مرات بسبب نقص الموارد المالية والبيروقراطية. صنع مختار تمثاله من حجر الجرانيت الوردي وتكلف إعداده قرابة عشرة آلاف جنيه، ساهم فيها المصريون بستة آلاف ونصف، والحكومة بالباقي. بينما اعتبرت اللجنة المشكلة من وزارة الأشغال مختار أحد موظفيها والتمثال عهدة حكومية. ولولا تصميم مختار على انجاز عمله والمصريون على مساندته لتكفل الروتين بقتل إبداعه، كما فتك بآخرين غيره.

 عكس تمثال (نهضة مصر) تأثر مختار بسنوات طفولته في الريف، فصمم التمثال على شكل فلاحة رمزًا لمصر تضع يدها على رأس أبو الهول رمز الأصالة والقوة، وينظر كلاهما للمستقبل.

 لم يكن مختار مجرد فنان مصري أبدع في النحت، بل كان تعبيرًا عن صحوة سرت في أرجاء مصر لم تقتصر على قطاع دون غيره؛ سيد درويش مجددًا فن الموسيقي، وطه حسين في فرنسا ورسالته عن ابن خلدون، ومصطفي عبد الرازق ودراسته عن الإمام الشافعي، ومحمد حسين هيكل والرواية الأولى (زينب)، وعباس محمود العقاد وعالمه الأدبي الرحب. وهكذا دائمًا تكون صحوات الأمم.

 تُري هل كان بمقدور مختار اكتشاف كنزه ولو لم يلتق بمن يصحبه معه للقاهرة ويوصله لوالدته.

 تحية للصديق العزيز الأستاذ ماهر حسن، الصحفي بجريدة المصري اليوم، على كتابه الممتع (الفنان محمود مختار)، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أضاف به إلى مساحات إبداعه بُعدًا جديدًا إلى جانب دواوين شعره الست، وكتابه (حكاية الدساتير المصرية في مائتي عام)، فضلاً عن سلسلة حلقاته المميزة (حواديت المصري اليوم).

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة