Close ad

مصر مدخل التجارة العالمية لإفريقيا

17-12-2022 | 10:54


في ظل تحديات اقتصادية تعصف بالجميع حتى أمريكا ذاتها بعد جائحة كورونا وحروب خارجية بين الناتو وروسيا وصراعات وانقسامات داخلية حادة في أعقاب انتخابات الكونجرس النصفية، عقدت القمة الأمريكية الإفريقية الثانية بواشنطن بمشاركة وفود 49 دولة من بينها مصر، فما الذي حدا بالولايات المتحدة الأمريكية أن تترك كل هذا التجمع لدول إفريقيا في حزمة واحدة لتملي عليهم ما تسميه نصائح اقتصادية ووعود استثمارية لابد أن لها أثمانًا؟!
 
 شارك في القمة زعماء 49 دولة؛ إذ يبدو أن صحة ووقت بايدن لا يتسع لكل دولة منها على حدة!
 
ليس هذا فحسب؛ بل كان من بين المشاركين ممثلون عن الداخل الأمريكي الإفريقي الأصل! فهل يكفي لهؤلاء أن يعبروا عن مقترحاتهم وحاجاتهم في الاقتصاد والاستثمار لشعوبهم خلال الأيام الثلاثة للقمة؟ أم أن الأمر مجرد إثبات قوة وهيمنة من جانب واحد؟
 
القمة تأتي في أعقاب قمتين سابقتين إحداهما قمة روسية إفريقية انعقدت في يونيو في روسيا، والأخرى صينية إفريقية في شانغهاي؛ أي أنها قمة متأخرة جاءت كرد على القمتين! ربما لم يتأخر الوقت كثيرًا على أمريكا لتصحح أخطاءها في حق إفريقيا، لكنه حتمًا تأخر على عمليات تقاسم النفوذ بينها وبين الكتلة الشرقية المتمثلة في روسيا والصين، والشواهد على هذا أكثر من أن تُحصي في هذا المقال..
 
في عام جائحة كورونا 2020 الذي شهد انشغال أمريكا بلملمة جماع نفسها بعد أن عصف بها وباء كورونا، تمكنت الصين من إبرام اتفاقيات مع إفريقيا بقيمة 735 مليار دولار مع 623 شركة تصاعدت هذه الأرقام خلال العام المنصرم بصفقات تجارية وصلت إلى 800 صفقة مع 45 دولة إفريقية بمليارات الدولارات.. في الوقت الذي تكتفي فيه أمريكا باستثمارات مجمدة عند رقم 22 مليار دولار مع 80 شركة إفريقية فقط! فهل تساعد القمة أمريكا على إعادة الروح لعلاقتها مع القارة السمراء، هذا يتوقف على النهج الأمريكي نفسه وهل بإمكانه أن يتغير؟..
 
مصر مفتاح إفريقيا
مهما كانت التحديات والمعطيات فلا أحد بإمكانه أن يزايد على دور مصر الإقليمي والتاريخي عربيًا وإفريقيًا..
وإذا بحثَت الولايات المتحدة عن مفتاح واحد للقارة الإفريقية يستطيع التوغل والنفاذ إلى عمق القارة تجاريًا فلن تجد أفضل من مصر، وربما لا أبالغ لو قلت إنها قد تكون الفرصة الوحيدة والأخيرة لأمريكا أمام توغل النفوذ الصيني في القارة أن تعتمد على مصر تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي في حل تلك الإشكالية التي تمثل تحديًا مصيريًا أمام أمريكا وحلفائها.
 
الحديث الآن يدور حول إمكانية تفعيل اتفاقيات قديمة منها اتفاقية التجارة الحرة بإفريقيا، فكيف يمكن أن تغيب مصر وقناة السويس وميناء الإسكندرية عن هذا المشهد، مصر بأسطولها البحري والجوي تستطيع أن تكون ملتقى التجارة الحرة الإفريقية أو على الأقل إحدى منافذها الرئيسية، وهذا الاتفاق لن يُفعل إلا على يد إحدى القوتين أمريكا أو الصين؛ لأنهما أصحاب النفوذ الفعلي الآن على الساحة الدولية.
 
هناك قضايا رئيسية تمت مناقشتها خلال القمة الإفريقية الأمريكية.. العرض الذي قدمته أمريكا هو أنها ستعالج مشاكل القارة الغذائية والصحية والتداعيات الاقتصادية؛ بسبب جائحة كورونا وتأثيرات التغيرات المناخية بسبب انبعاثات الكربون الناتجة من مصانع أمريكا وأوروبا، والمقابل المتوقع لهذا أن تفتح إفريقيا أسواقها أمام الاستثمار الأمريكي بشروطها هى، فهل يفضل الأفارقة العرض الأمريكي أم الصيني الذي لا يضع اشتراطات ولا إملاءات؟!
 
إعادة إحياء "أجوا"
العرض الأمريكي تضمن أيضًا مدخلًا ماكرًا.. فالمفترض أن ترمي أمريكا نقودًا على الطاولة ربما تقبلها إفريقيا أو ترفضها طبقًا لقانون العرض والطلب، لكننا نعرف طريقة الكاوبوي الأمريكي الطماع الذي يريد نصيب الأسد من كل شيء.. إن أمريكا لن تعطيك أموالًا بلا قيد أو شرط مقابل ثروات إفريقيا، لا بل هي تريد إفريقيا القديمة التي تقبل الفُتات مقابل ما تتفضل هي بمنحه وإعطائه، فأين تعهداتها بمكافحة التغيرات المناخية ومقاومة الفقر والجوع في القارة السمراء؟! كلها تعهدات تذهب أدراج الرياح وقت الجد، والقمة كانت الفرصة لأمريكا أن تغير أسلوبها لو شاءت أن يكون لها نصيب من الكعكة الإفريقية الضخمة.
 
ثلاث قارات بأكملها تناوبوا على إفريقيا حتى امتصوا خيراتها على مدار عقود وقرون مضت.. أوروبا قديمًا وما تزال، ثم أمريكا التي انسحبت من الساحة لصالح حلفائها في المنطقة، ثم الآن آسيا ممثلةً في روسيا والصين، على أرض إفريقيا أربعة قوى تتصارع لنهب ما يستطاع من خامات وموارد ثمينة بدءًا بالطاقة ومرورًا بالمعادن الثمينة كالألماس والذهب وانتهاءً بخامات الصناعات الثقيلة كاليورانيوم والحديد والفوسفات وغيرها؛ مما تفيض به أرض إفريقيا التي ما زالت على كثرة ما سرق منها أرضًا بكرًا!
 
أمريكا وضعت عينها على إفريقيا في مطلع الألفية فأنشأت كعادتها قانونًا أمريكيًا أسمته قانون (أجوا) اختصارًا لعبارة: " قانون النمو والفرص في إفريقيا". منذ ذلك الحين وحتى الآن مر عقدان من الزمان دون أن يتم تفعيل شيء من هذا القانون سوى ما يخدم المصالح الأمريكية من جانب واحد، واليوم من المفترض أن تعيد القمة إحياء هذا القانون من جديد فهل سيختلف تطبيقه قديمًا عن الآن؟ نتمنى..
 
إفريقيا والبوصلة المفقودة
 الخيارات أمام إفريقيا للأسف لا تتضمن إلا البحث عن شريك من خارجها.. فلماذا لم تأتِ الفرصة قط للدول الإفريقية أن تستجمع قواها وقرارها لتخدم إفريقيا نفسها بنفسها دون الحاجة لكاوبوي أمريكي يفرض شروطه وينشر قواته للحماية وضمان مصالحه أو لبديل صيني أو أوروبي؟!
 
لا أستطيع أن أخفي شكوكي في جدوى قمة إفريقيا أمريكا لا لشيء إلا لثقتي أن إفريقيا لا تفكر بشكل موحد ولا تتحرك ككتلة واحدة تجاه قضاياها؛ بل كل دولة منها في وادٍ، وكل يبكي على ليلاه، إفريقيا في حاجة لضبط بوصلتها على مصلحتها هي لا طبقًا للمصالح الدولية التي تعقدت واشتبكت وصارت على شفا هاوية.
 
الغائبون ورافضو الحضور
 لم تحظ هذه القمة بالزخم الدولي اللائق بها على الرغم من الجمهرة التي حرصت أمريكا على إبرازها بمشاركة خمسين دولة إفريقية وكأنها تستعرض قدرتها على الحشد وجمع الحلفاء، وهي رسالة لا شك أننا لسنا المقصودين بها..
 أمريكا مارست في دعوات الحضور للقمة هوايتها المعتادة في تطبيق معاييرها المزدوجة.. الإعلام الأمريكي نفسه انتقد دعوة بايدن لثلاثة حكام متهمين بارتكاب جرائم حرب منهم رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، ورئيس جنوب السودان سلفاكير، ووليام روتو رئيس كينيا المطلوب من جانب المحكمة الجنائية الدولية، ووزير خارجية زيمبابوي فردريك شافا المتهم بملاحقة موظفي الكونجرس أمنيًا، خلال زيارتهم لزيمبابوي، في الوقت الذي رفضت فيه أمريكا دعوة خمس دول إفريقية أهمها غينيا ومالي وبوركينا فاسو والسودان تحت زعم تعليق عضويتها من الاتحاد الإفريقي لغياب الديمقراطية!
 
هكذا لاحظنا أن مفاوضات القمة الاقتصادية الأمريكية الإفريقية لم تخلُ من أحاديث قديمة جديدة حول الحريات وحقوق الإنسان وتفعيل الديمقراطية على الطريقة الأمريكية، وإلا سحبت أمريكا يدها من القارة، وليتها تفعل..
 
الواقع والتوقعات
 قادة إفريقيا ذهبوا وخلفهم التزامات نحو شعوبهم وضغوط إعلامية شتى تناديهم بالتشبث بتحقيق مصالحهم ومصالح القارة من خلال هذه القمة الاستثنائية دون الاكتفاء بما تمليه أمريكا على القارة من إملاءات في هيئة توصيات..
 
أمريكا وضعت جدولها لأولويات القضايا التي ستناقشها في القمة أولها قضايا الأمن الغذائي للدول الإفريقية الفقيرة، وثانيها تعزيز التعاون الاقتصادي الأمريكي الإفريقي، فهي لن تعطي دون أن تأخذ على كل حال.. ثالثًا: مواجهة التغيرات المناخية في إفريقيا، والتي تسببت فيها أمريكا بالأساس بسبب انبعاثات الكربون من مصانعها. ورابعًا: عودة الدور الجيوسياسي الأمريكي في القارة السمراء في مواجهة الدور الصيني والروسي المتنامى. وخامسًا: دعم قيم الديمقراطية في القارة. وسادسًا: مكافحة الإرهاب خاصة في منطقة القرن الإفريقي لحماية مصالح أمريكا وأسطولها التجاري بالمنطقة.. سابعًا وأخيرًا: مساعدة الدول الإفريقية على مواجهة الأزمات الصحية والتعافي من الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا..
 
فكما يبدو أن جدول القمة الإفريقية الأمريكية كله تضمن في مجمله رؤية أمريكا هي لما نريده نحن! وهي تعطي شيئًا باليمين لتأخذ أضعافه بالشمال.. ومهما كانت مخرجات مثل هذه القمة العاجلة فلا أظنها تساوي أكثر من وعود وتعهدات تطلق، ولا يمكن الحكم على صدقها أو زيفها إلا إذا حدث منها شيء على أرض الواقع.
 
[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: