Close ad
14-12-2022 | 16:18

أيام قلائل تفصلنا عن توديع منافسات بطولة كأس العالم في نسختها العربية بقطر، وخلال البطولة تبخرت أحلام بعض الكبار فرقًا ونجومًا، وذهبت أدراج الرياح، ورأيناهم يذرفون الدموع الحارة بعد هزيمتهم ومغادرتهم الدوحة خالين الوفاض، بينما تعززت حظوظ آخرين بفضل مثابرتهم وخططهم المحكمة البارعة بالملعب، واستعدادهم الجاد والجيد للمنافسة الحقيقية، وليس التمثيل المشرف، ولم يهابوا منافسيهم وكانوا ندًا صعبًا وعنيدًا لهم.
 
أعلم أن سقف توقعاتنا وآمالنا كعرب يحلق في عنان السماء، آملين أن يمنحنا المنتخب المغربي الرائع جرعات إضافية من الغبطة والسعادة الغامرة بوصوله إلى المباراة النهائية، وأعتقد أننا لسنا في حاجة لتكرار ما فصله على علم ودراية أهل الاختصاص من النقاد الرياضيين والمعلقين عن محاسن أداء المغرب، وجماليات لاعبيه داخل وخارج المستطيل الأخضر، وكذا النواحي التنظيمية للبطولة ككل ودقتها الفائقة في كل تفاصيلها من كبيرها إلى صغيرها.
 
ولكن بعيدًا عن طموحاتنا التي نتمنى تحققها، ثمة ملاحظات جوهرية ودالة يجب الإحاطة بها، أولاها غياب المتعصبين ومثيري الشغب عن المباريات ومواقع تجمع الجماهير الغفيرة الوافدة من بقاع الأرض لتشجيع منتخباتها بتحضر ورقي، على عكس ما اعتدناه سابقًا من محاولات بعضهم تسميم الأجواء الطيبة والحضارية بإثارتهم المشكلات والاحتكاكات مع مشجعي الفرق المنافسة، وما يستتبعها من أعمال عنف وتخريب تسفر عن أضرار جمة ومصابين وأحيانًا قتلى.
 
وهذه الشرذمة المتعصبة والمتطرفة تمثل خطرًا رهيبًا على أجواء السلم والأمن، لأن أنشطتها محصورة في أعمال تبث بواسطتها الفُرقة والاختلاف بدعوى حماسها الجارف في مؤازرة منتخبات بلادها وأنديتها المحلية ومعهما الفرق القارية.
 
وتابعنا جميعًا كيف كان المشهد العام، منذ بدء المنافسات، حيث تم وبصرامة منع كل ما من شأنه الحض على التمييز، سواء كان سياسيًا أو دينيًا وعرقيًا، مراعاة لضوابط صارمة تقضي باحترام عادات وتقاليد البلد المضيف، وأن المونديال - بكل ما يحتضنه من تنوع - مناسبة جيدة وعظيمة لإشاعة مناخ الوئام والتعايش بين الشعوب والثقافات والحضارات دون إظهار استعلاء حضارة أو ثقافة ما على الأخرى، وأن البشرية الآن أحوج ما تكون للتلاحم والتوافق وليس التنافر والبغضاء، وتقريبًا لم يترك القطريون فسحة أو ثغرة ينفذ منها المتعصبون غليظو القلوب والعقول.
 
نعم حدثت اشتباكات متفرقة في دولتين وربما أكثر، بسبب نتائج  المباريات، لكنها كانت قليلة ومحدودة وبعيدة عن البلد المضيف، وفى الغالب فإن عوامل اشتعالها كانت كامنة في الأصل في طبيعة العلاقات الحساسة بين الأعراق والأجناس المكونة للمجتمعات التي جرت فيها مشاحنات بين بعض سكانها الأصليين والمواطنين الوافدين، بخلاف ذلك لم يكن هناك ما يعكر صفو المهرجان الكروي العالمي الذي ينعقد كل ٤ أعوام.
 
ثانية الملاحظات: شاهدنا أنه لا أحد فوق المحاسبة والعقاب والتوجيه، مهما بلغت نجوميته واحتياج فريقه إلى جهوده، وشاهدنا نموذجًا حيًا متمثلًا في النجم البرتغالي الأشهر "كريستيانو رونالدو"، الذي فيما يبدو شعر بأنه النجم الأوحد، ومقامه يعلو على الجميع بمن فيهم رفاقه ومدربه، ولهذا لم يتردد المدرب في جعله يجلس صاغرًا بين الاحتياطي كنوع من التأديب والتهذيب، وأن عليه ـ رونالدو ـ توقير مَن وقع عليه الاختيار لتحمل مسئولية قيادة منتخب بلاده فنيًا وإداريًا، فضلا عن أن المدرب قد يكون ارتأى، وهذا حقه بلا منازع، عدم جاهزيته بالشكل اللازم والمرجو للمشاركة فى المباراة من بدايتها لنهايتها، وهو درس لأرباب العقول الراجحة والواعية، فكونه نجمًا ليس مرادفًا لمنحه جواز مرور يبيح له إملاء شروطه ومطالبه واجبة التنفيذ دون نقاش ولا اعتراض، وهنا تبرز شجاعة اتخاذ القرار من قبل المسئول ومواجهة تبعاته بصرف النظر عما سيتعرض له من انتقادات وسخافات ومهاترات، مثلما فعلت الفاتنة "جورجينا" صديقة رونالدو التي صبت جام غضبها على المدرب، وشككت في صواب ورجاحة قراراته الفنية، مما قاد لخروج البرتغال يجر أذيال الخيبة والخذلان.
 
أما ثالثتها: أن كرة القدم لا تزال تعد وبحق "إكسيرًا للسعادة" لشعوب الأرض قاطبة، وتدخل البهجة والحبور على النفوس المتعبة والمتوترة من كثرة ضغوط الحياة ومشكلات المعيشة وصعوباتها، بسبب القيود المكبلة للاقتصاد العالمي، جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وعواقب وباء "كورونا"، وما تسببت فيه من ارتفاعات مطردة في أسعار السلع، خصوصًا المواد الغذائية منها، ويجب أن تبقى الساحرة المستديرة كذلك، لأنها تقرب الناس من بعضهما البعض دون حواجز ولا موانع، وأدامها الله نعمة للبشرية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة