Close ad

غيبوبة.. الحقيقة ناقصة دائمًا

15-12-2022 | 12:01

أن تقول الحقيقة كاملة عارية.. صعب جدًا جدًا جدًا، بل إنه قد يكون في بعض الأحيان أمرًا غير مرغوب وغير مستحب، الحقيقة العارية قد تتضمن أسرارًا خاصة بك لا تحب أن يراها أحد، أو تتعلق بأشخاص آخرين لا ترغب أن تسبب لهم حرجًا أو جرحًا، قد يتعلق الأمر بشخص له في قلبك مكانة كبيرة، ورغم أنك تملك عليه الحجة والدليل في أمر معين، إلا أنك لا تستطيع أن تواجهه بذلك لما قد يسببه له ذلك من حرج.
 
كثيرون ممن قرروا قول الحقيقة في مذكراتهم أكدوا أنه جاءت عليهم لحظات توقف فيها القلم وراجع نفسه ألف مرة قبل الاستمرار في الكتابة، وصدق من قال أنا لا أقول كل الحقيقة، لكن كل ما أقوله حقيقة. 
نعم يمكنك أن تصدق كل ما أقوله فهو حقيقة، لكن لا تنتظر مني كل الحقيقة، فهو أمر فوق طاقتي، وفوق طاقتك، وفوق طاقة الجميع. 
 
الحقيقة.. كلمة سهلة على اللسان، نطالب بها دائمًا، بل وندين من لا يقولها وربما وسمناه بالجبن والخنوع، لكنها أثبتت يومًا بعد يوم أنها لغز كبير محير.
 
من تراه لصًا قد يراه غيرك ضحية ويلتمس له ألف عذر، من تراه بخيلًا قد يعتبره البعض أنصح الناس، من تراه مخلصًا قد يراه آخرون منافقًا. 
 
أنت تروى الحقيقة التى علمتها ورأيتها وصدقتها، لكن هناك زوايا أخرى لم ترها قد تقلب تلك الحقيقة رأسًا على عقب. 
 
هناك أيضًا زاوية مكان وزمان وكيفية قول الحقيقة، أو فن قول الحقيقة، بمعنى متى وأين وكيف نقول الحقيقة، وتذكروا معي كيف نطالب الشخص الذي نراه صريحًا "زيادة عن اللزوم" أن يكون دبلوماسيًا في حديثه مع الآخرين؛ حتى لا يفسد الأمور، لكن على الجانب الآخر يرى البعض ذلك نوعًا من النفاق والتحايل على قول الحقيقة، ويربط الحقيقة بالصراحة التامة أيًا ما كانت عواقبها.
 
أعتقد أن الأمر يتطلب التفرقة بين عدة أمور، إذا كان المطلوب أن نقول الحقيقة أمام القاضي أو كشاهد في موقف معين يتضمن إدانة لشخص وتبرئة لآخر، فلابد من قول الحقيقة كاملة وإلا كان كتمانها كذبًا وشهادة زور يحاسب عليها المرء في الدنيا والآخرة، ولا عتاب ولا حرج على الشخص في تلك الحالة إذا تحدث بصراحة ووضوح.
 
المشكلة تظهر إذا كنا بصدد إبداء الرأي في تصرف معين أو شخص معين، عندئذ لا مانع من قول الحقيقة بشكل لائق لا يجرح أحدًا ولا يحرجه، بالعكس قد يكون قول الحقيقة بالشكل اللائق دافعًا للأمام وحافزًا لتطوير الأداء، في حين قد يؤدي قولها بشكل صريح إلى نتيجة عكسية وإحباط وفشل ذريع.
 
تحضرني في تلك اللحظة حكاية معلمة وجدت تلميذًا لا يستطيع الإجابة عن أى سؤال، وكلما تحدث ضحك منه زملاؤه، وعلمت أن زميلتها السابقة كانت توبخ هذا الطفل البليد وتناديه بالغبي، هو بالفعل بليد وغير مجتهد، تلك هي الحقيقة، لكن قول تلك الحقيقة وتكرارها على لسان المدرسة لم يعالج المشكلة؛ بل كانت سببًا في زيادة الغباء والبلادة.
 
حادثته المعلمة الجديدة بهدوء وطلبت منه أن يذاكر، لكنه كان بليدًا، فقررت الاستمرار بـــ "وصفة علاج مختلفة"، أعطته أسئلة وإجاباتها وطلبت منه حفظها "صم" وأن يرفع يده في الفصل ويردد الإجابة التي حفظها، وتم المراد، سألت السؤال وقام الطفل وردد الإجابة التي حفظها وسط ذهول من كل زملائه، وطالبتهم بالتصفيق له، وكررت ذلك عدة مرات حتى اعتاد الطفل ذلك، اعتاد أن يقال له "شاطر.. برافو.. المرة الجاية أحسن.. صفقوا لزميلكم" بدلًا من "غبي.. إيه الخيبة اللى انت فيها دى.. شايفين زميلكم إوعوا تبقوا زيه"، قد تكون تلك هي الحقيقة لكنها ليست إلا ألف خطوة للوراء.
 
أنا شخصيًا جربت ذلك الإحساس في بداية حياتي وعملي بالصحافة، أنا لم أدرس الصحافة ولم أتخصص فيها، لكن بمجرد عملي بدأت في شراء العديد من الكتب وذاكرت حتى أفهم ما يردده زملائي حولي من مصطلحات مهنية، وقع حظي في رئيس قسم محترم أخبرني يومًا أن شغلي يتم نشره دون مراجعة أو تصحيح، معنى ذلك لغة سليمة وأسلوب جيد، لم يقل لي أنت غير متخصص وتحتاج إلى سنوات للتعلم، وهي حقيقة لو قالها ما شابه شيء، لكنه وجد شيئًا جيدًا فجعل منه حافزًا لي لتطوير نفسي والاستمرار في العمل، على الرغم من وجود رئيس تحرير من مدرسة "إنت هتعمل فيها خبير دولي واللا إيه؟"، وربما عاقب رئيس القسم على تشجيعه لي.
 
ماذا تفعل إذا جاءك ابنك وأخبرك برغبته في أن يصبح مطربًا أو ممثلًا؟ تأثرًا منه بما يراه ويسمعه في تلك الأيام، في حين أنك تراه لا يملك الموهبة وهو بالفعل لا يملكها، هل تقول له صوتك وحش جدًا، ولا تصلح للغناء، ولو غنيت سوف يضربك الناس بالنعال؟ تلك هي الحقيقة وما قد يحدث بالفعل، أنت لم تكذب عليه ولم تنافقه، لكن النتيجة قد تكون مزيدًا من العناد من جانبه، ومزيدًا من الفشل في مجال لا يجيده، بل اطلب منه أن يستشير خبراء في المجال، فغالبًا ما يستجيب الصغار لنصيحة الغرباء، وابحث عن شيء يجيده وأخبره بما قد يتمتع به من موهبة في الرياضة أو الكمبيوتر.. إلخ، وأنه لو وجه جهده إلى تلك المجالات فسوف يحقق فيها نجاحًا كبيرًا؟ أليست تلك حقيقة أيضًا، لكنها الجانب المضيء والمحفز من الحقيقة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: