Close ad

الحب والسراب وصناعة وجع القلب

10-12-2022 | 10:19

يُلقي الكثيرون -من الجنسين ومن كل الأعمار- بأنفسهم في "سراب" الحب وتوابعه القاسية..
السراب ظاهرة طبيعية "تلتصق" بالأرض نراها عن بعد وكأنها ماء وتكثر رؤيتها في الصحراء وعند الحر الشديد، "ويركض" نحوها السائر في الصحراء والذي يئن من العطش "وكله" أمل في الشرب حتى يرتوي "ويسعد" نفسه ويحميها من الهلاك عطشًا؛ ويتلقى الصدمة المؤلمة بعد تيقنه أنها سراب..

نبدأ بتغذية الشعور بالعطش وهزيمة النفس "بتصديق" كلام الأغاني وخداع  المسلسلات والأفلام وكل من يأتي مصدر دخله بالحياة من "ترويج" أوهام الحب غير الواقعي والذي "يطير" فيه أصحابه سعداء ويغنون ليلًا ونهارًا ولا يعانون من أية مشاكل بالحياة؛ وكيف يعانون وهم يرتشفون من "أكسير" الحب دومًا؟!!

يجري كثيرون وراء سراب الحب؛ وكأن من يفعل ذلك سيتمتع بالعيش في أجمل حديقة حيث البراح والزهور والمنظر الرائع وأجمل العطور ويُفاجأ ولو بعد حين أنه ألقى بنفسه "بكامل" إرادته في حفرة ضيقة حيث الروائح الخانقة والأحجار المؤلمة التي "تحاصره" وتوجعه بقسوة..

يهرب آخرون إليه من ظروف قاسية؛ ولا أحد منا ينجو من تراكم بعض الضغوط أحيانًا وبدلًا من مواجهتها "والطبطبة" الذاتية على النفس وتذكير النفس بأن رحمة الله واسعة وستشمله، والسعي لإذابة الضغوط وتفتيتها ما استطاع ليتمكن من الخلاص منها أو من بعضها..

نجد البعض يوهم نفسه بأن الحب سينقذه منها؛ وكأن أحدًا تحسنت حياته بعد تناول أي مخدر أو مسكن فكلاهما يحسن مزاج صاحبه "مؤقتًا" ثم تفترسه الأعراض الجانبية لاحقًا.

وكذلك من يلقي بقلبه في سراب الحب ويتوهم الحب  ويبالغ في وصف من أعجبه من ويتجاهل ليس عيوبه فقط، والجميع لديه عيوب؛ ولكنه يقرر خذلان نفسه بتناسي أن لا مستقبل له معه وأن الآخر لا يبادله الاهتمام ولم يبدر عنه ما يثبت "حرصه" على منحه مكانة خاصة بحياته؛ وكأنه كمن يمتلك قطعة أرض "واحدة" يجيد حفرها ووضع أغلى الأسمدة بها ويرعاها ويسقيها دائمًا "ويتجاهل" حقيقة أنه لا يوجد زرع داخلها "وينتظر" الثمار ويطول انتظاره ولا تأتي بالطبع لأنه لم يضع البذور بها، أو كمن يلقي بكل ثروته من النافذة "ويتوقع" أن يجد أضاعفها داخل بيته!

قلب الإنسان ومشاعره أغلى ما يملك وليتنبه جيدًا قبل منح أي "جزيء" منها لأحد حتى لا تضيع وقد يفقد ثقته بنفسه أو بالجنس الآخر بسبب التعجل ورؤية السراب ماءً.
في الصحراء من الطبيعي رؤية السراب ماءً؛ وفي الحياة الطبيعية نحن من نصنع السراب ونحن من "نصنع" وجع القلب ولا أحب كلمة كسر القلب؛ فالقلب لا ينكسر أبًدا "إلا" إذا زرع البعض الشعور بالانكسار داخله.

المشكلة في توهم الحب أن من يفعل ذلك بنفسه مع الاحترام التام لكل المشاعر؛ "يعطل" حياته ويسيء لنفسه ويظن ألا أحد غير من يحب يرى مشاعره؛ وهذا خطأ شائع، فصدق القائل: ثلاثة لا يمكن إخفاؤهم؛ العطر والدخان والحب، فالجميع يرى نظراته لمن يحب وأسلوبه في الكلام والتغييرات التي تطرأ عليه عند سماع اسمه أو عند رؤيته فجأة مهما حاول إخفاء ذلك ويعرضه للقيل والقال وأحيانا للسخرية وضياع فرص جيدة لاقتراب من يعجب به بصدق منه لرؤية انشغاله بالآخر الذي لا يبادله المشاعر.

يؤذي من يحب من طرف واحد نفسه ويعرض نفسه للاستغلال العاطفي من الطرف الآخر -من الجنسين- الذي قد يتعمد خداعه لإرضاء غروره وأحيانا للاستفادة المادية أو العاطفية ومرات الجسدية منه ثم الابتعاد بعد ذلك، أما محاولة لفت النظر فتضره وتخصم من كرامته.

الحب "الناجح" لا يحدث أبدًا هربًا من مواجهة المشاكل أو بحثًا عمن "ننساها" معه؛ بل يأتي مع الوعي "الكامل" بحياتنا بحلوها وبمرها وبمن نعجب به؛ وهل سيضيف إلينا ونضيف إليه أم لا؟ وهل تتشابه ظروفنا "وتوقعاتنا" من الارتباط ومن بعضنا البعض؟ والأهم هل يبادلنا الاعجاب "ويرغب" في تحويله لحب وزواج أم لا؟ ومن يتجاهل الإجابة "الصادقة" عن هذه الأسئلة يصنع "سرابه" ووجع القلب لنفسه والعكس صحيح ودائمًا نستطيع الاختيار.

يقول كثيرون من الجنسين: لا سيطرة على القلب؛ وكأنهم يبررون لإضعافهم لأنفسهم والمؤكد أننا نستطيع ذلك متى قمنا بالربط بين الوقوع بوهم الحب وبين الخسائر؛ فلو لم يبتعد السائر في الصحراء عن السراب وأصر أنه ماء، فماذا سيفعل؟ سيظل بجواره ولن يبتعد بحثًا عن ماء وليس سرابًا ليروي عطشه فسينهك نفسه "ولن" يستطيع النهوض لإيجاد الماء.

وهو ما يفعله عاشق سراب الحب فتضيع منه أوقاتًا غالية من عمره في السراب، ويحرم نفسه مما يستحقه من الحب الحقيقي الذي يجد فيه تبادلًا للمشاعر وتقديرًا له وحرصًا على الارتباط به طوال العمر وما عدا ذلك فهو السراب بعينه.

لن يحول الرفض "النفسي" للاعتراف بأنه سراب لماء أبدًا وسيخصم فقط كثيرًا لمن يصر عليه؛ فالحب بدون وعي خيانة للنفس والعقل وظيفته حماية القلب وبأيدينا ذلك بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع "والتوقف" عن رؤية سراب الحب وكأنه الفرصة الوحيدة لنا لنسعد بينما هو مصدر "مؤكد" للشقاء وللخسائر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: