Close ad

حدث تاريخي في المملكة

10-12-2022 | 09:12

 قارن الكتاب والمراقبون بين الاستقبال الفاتر للرئيس بايدن فى السعودية، وبين الاستقبال الحافل المهيب للرئيس الصينى تشى جين بينج واعتبروه تحولاً محورياً فى العلاقات الخارجية لا فى السعودية وحدها، بل فى منطقة الخليج بأسرها، بل ربما تعدى الأمر جميع الدول المشاركة فى القمم الثلاث المنعقدة بالمملكة. ويمكن القول إن المنطقة بأسرها على أعتاب طفرة سياسية واقتصادية هائلة بفضل خطوة جريئة بدأتها السعودية وسيكون لها ما بعدها.

ثلاث قمم فى ثلاثة أيام
 
80 عامًا من التعاون فى مجالات عدة جمعت بين المملكة العربية السعودية وبين الصين تم تتويجها نهاية الأسبوع الماضي بأول زيارة خارجية يقوم بها الرئيس الصينى عقب تجديد ولايته استمرت ثلاثة أيام. 

وخلال تلك الزيارة المهمة عقدت ثلاث قمم كبري: قمة سعودية صينية، وقمة "الرياض الخليجية الصينية للتعاون والتنمية" بمشاركة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ثم قمة "الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية"، بمشاركة قادة دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية.
 
ثمة خريطة طريق جديدة يتم رسمها اليوم بين القوة الاقتصادية الصاعدة بقوة وهى الصين وبين دول الخليج والمنطقة العربية بأسرها. 

المملكة العربية السعودية تتغير وتتحرك فى اتجاه تنموى جديد ومختلف لا يعتمد اعتمادًا كليًا على النفط كمصدر وحيد رئيسى للدخل، بل أن تتم الاستفادة من كافة الإمكانيات البشرية والطبيعية للسعودية. 

لهذا قامت المملكة ببناء عدة مدن حديثة اقتصادية وسياحية وثقافية، ومن الطبيعي أن تبحث لهذه المشروعات عن شريك قوى يساعدها فى تطوير تلك المشروعات الطموحة الواعدة. 

وليس أقرب ولا أفضل من الصين، وزارة الخارجية الصينية اعتبرت الزيارة أكبر نشاط دبلوماسي يتم على نطاق واسع بين الصين والعالم العربي منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية وحتى اليوم! إلى هذه الدرجة ترى الصين أهمية تلك الزيارة، ونحن نراها كذلك.. فكيف يراها الغرب؟ 

الناطق باسم مجلس الأمن القومى للبيت الأبيض جون كيربي صرح قائلاً بلا مواربة: "نحن ندرك ما تحاول الصين فعله من توسيع لنفوذها حول العالم، وأن الشرق الأوسط من بين هذه المناطق التى يتجهون إليها لتحقيق هذا الغرض، ونعتقد أن سعيهم هذا وطريقتهم فى تحقيقه لا تتفق مع النظام الدولى الذى تحكمه قواعد محددة!" ثمة دعوات داخل أروقة الكونجرس طالبت باتخاذ إجراءات حاسمة تجاه هذا التعاون الذى لا ناقة لأمريكا فيه ولا جمل!!
 
روسيا أيضاً كان لها رأى إذ أكد الخبير الروسى يورى تافرفسكى رئيس مجلس الخبرة بلجنة التعاون الروسية الصينية أن هذه الزيارة التاريخية بمثابة ضربة مزدوجة لواشنطن التى تحاول فرض شروطها على سوق الطاقة.
 
تتويج لعلاقات قديمة
 
الاتفاقيات الموقعة بين السعودية والصين اتفاقيات هائلة بحجم الطموحات التى رسمتها السعودية لرؤية التطوير 2030، والتى تشمل عدة مشروعات أحدها مشروع نيوم الشهير يبلغ رأسماله نحو نصف تريليون دولار. بينما لا يزيد حجم الاستثمارات بين البلدين طبقاً لإحصائية عام 2021 عن 80 مليار دولار . 

ولم يزد خلال القمة الأخيرة إلا بنحو 30 مليار أخرى! فعلام كل هذا التهويل من الغرب.
   
أعتقد أن القاهرة والرياض وأبوظبي، وغيرها من العواصم العربية، لا تبحث عن صدام مع الغرب ولا عن بديل له، بل ربما عن نوع من التوازن فى العلاقات الخارجية لم يكن حادثاً من قبل، أو قل هى تبحث عن مصلحتها الاقتصادية، وهذا ما تبحث عنه أى قيادة راشدة لشعبها، فهل البحث عن المصالح حلال للغرب حرام على العرب؟

 العلاقات السعودية الصينية يبلغ عمرها اليوم نحو 80 عامًا بدأت منذ عام 1990 باتفاق مبدئى لإقامة علاقات دبلوماسية أعقبته نشأة منتدى التعاون الصينى العربي عام 2004. 
ثم فى عام 2013 ومع إعلان الرئيس الصينى مبادرة الحزام والطريق سارعت الدول العربية للمشاركة فيها ومنها السعودية. 

ثم جاءت زيارة خادم الحرمين الشريفين للصين عام 2016 وخلالها تم الاتفاق على تدشين مشروع ينبع أرامكو ساينبوك للتكرير، وتم توقيع مذكرات تفاهم حينها فى مجالات عدة كالطاقة والتقنيات والفضاء والثقافة والتعليم، ما يعنى أن زيارة تشي جين بينج هذه المرة تأتى بمثابة رد للزيارة التى قامت بها السعودية للصين من قبل، وأنها تهدف لاستكمال وتأكيد الاتفاقيات السابقة بين البلدين، فلماذا سعت أمريكا بكل جهدها لمنع هذه القمة بين السعودية والصين، وتسببت فى تأجيلها عدة مرات بعد أن كان مقررًا عقدها فى وقت سابق؟ 

إن ما تخشاه أمريكا ليس ما ستعقده المملكة مع الصين من اتفاقيات اقتصادية، بل ما قد يتم اتخاذه من قرارات سياسية خطيرة.. منها ما يرتبط بأسعار النفط خلال الفترة المقبلة، ومنها ما يتعلق بإمكانية ربط التسويات المالية باليوان الصينى ـ وهو ما قد يهدد عرش البترودولار.
 
صدمة الإعلام الأمريكي
 
منذ ما قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى واستطلاعات الرأى الأمريكية تؤكد انخفاض شعبية إدارة الرئيس جو بايدن لأدنى مستوياتها خاصةً فيما يتعلق بعلاقاته الخارجية، وانتقد الإعلام ما اتخذته إدارة بايدن من قرارات إعادة تمركز سحبت على إثرها قواتها فى أفغانستان والعراق وألمانيا وأعادت انتشارها فى أماكن متاخمة للنفوذ الصينى والروسي. 

هكذا اختارت أمريكا أن تضعف تواجدها فى منطقة الشرق الأوسط، وكان لابد من البحث عمن يملأ الفراغ الذى تركته، فاستغلت الصين هذه الفرصة الذهبية خاصة فى ظل أوضاع عالمية متقلبة اقتصاديًا وسياسيًا.
 
وعقب إعلان نتيجة انتخابات التجديد النصفى التى أظهرت انقسامًا فى الشارع الأمريكي تجاه سياسات الإدارة الأمريكية ازداد الانتقاد للسياسات الخارجية الأمريكية ولم تعدل أمريكا عن خطها الذى رسمته ولا عن خططها التى أضرت بمصالح أغلب حلفائها، حتى إن أوروبا اليوم وصلت في انتقادها لأمريكا أنها فكرت فى مقاضاتها دوليا بسبب الانقسامات والأضرار التى لحقت بدول الاتحاد الأوروبى جراء الحرب الروسية الأوكرانية.
 
أما زيارة الرئيس الصينى للسعودية فقد أحدثت ضجة إعلامية هائلة فى أمريكا.. ففى حين أكدت صحيفة نيويورك تايمز أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة كشريك تجارى رئيسي للسعودية منذ سنوات خاصة فى سوق النفط، فإن صحيفة وول ستريت جورنال وصفت الزيارة بأنها مفصلية وفارقة. وركزت الصحيفة على حجم التعاملات والاستثمارات التى وصلت إلى 30 مليار دولار، وقالت: إن الزيارة تأتى فى إطار توثيق علاقات المملكة مع منافسي الولايات المتحدة، وأنها تشير إلى شكوك حول مدى التزام البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط.
 
صحيفة بوليتيكو حاولت أن تستشف الرؤية الصينية فقالت إن الزيارة تعتبر فرصة لتوسيع النفوذ الاقتصادى والسياسي للصين بالمنطقة خاصة فى ظل انصراف بايدن وإدارته للتركيز على مواجهة التهديد الصينى الافتراضى ومقاومة صعود الصين كقوة اقتصادية منافسة لأمريكا.

 بينما ركزت صحيفة الواشنطن بوست أنظارها على وجهة نظر العرب والخليج فقالت: إن دول الخليج تحاول إعادة ضبط بوصلة سياساتها الخارجية تزامناً مع توجيه الولايات المتحدة اهتماماتها إلى أماكن أخرى فى العالم.
 
قمة تاريخية فارقة
 حتى لو اعتبرنا أن ما تم الاتفاق عليه فى هذه القمة لن يتجاوز بضعة استثمارات هنا وهناك، وأن ما تخشاه أمريكا من آثار لم يحدث. فإن ما بعد هذه القمة لن يكون أبدًا كما كان قبلها. 

أمور كثيرة سوف تتغير. أمريكا مثلاً لاشك أنها ستحاول التخلى عن صلفها وتتنازل عن سياستها الإملائية وهو ما سيتيح التفاوض معها فى المستقبل من موقع قوة وندية لا من موقع التبعية والضعف. سيحدث هذا سواء من طرف الصين أو من طرف العرب.

إنها المرة الأولى التى يجتمع فيها العرب وقادتهم على غير رضا أمريكا التى يبدو أنها تتخلى عن الجميع فى سبيل مصلحتها فقط، بينما تعرض الصين نفسها باعتبارها صديق متعاون وشريك قوى جدير بالثقة.

تلك القمة بإمكانها أن تضع المملكة العربية السعودية والعرب على أول الطريق نحو فكر اقتصادى وسياسي قد يصل بها وبنا أن ننافس على مواقع الصدارة والريادة فى عالم متقلب لم يعد يعترف سوى بأصحاب المبادرة والجرأة. 

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: